كيف ستردّ إيران.. وأين؟

جوزف القصيفي

يقول مصدر وزاري على اطلاع بملف الأحداث في إيران، أن الحركة الاعتراضية التي كانت طهران وبعض مدن الجمهورية الاسلامية مسرحًا لها خلال الأيام الماضية، هي دون الحركة المماثلة التي انطلقت في العام ٢٠٠٩ وعرفت بـ"الثورة الخضراء" تنظيماً وعدداً. ويضيف هذا المصدر ان الحركة السابقة قادها سياسيون معروفون وعلى رأسهم مير حسين موسوي مدعوماً من "الاصلاحيين"، لكن الحالية تواجه "المحافظين" و "الإصلاحيين" معاً، وهي متعدّدة الرؤوس، ولكل "أجندته" الخاصة. فمن خائف من رفع الاسعار على السلع الاساسية وتدني مستوى المعيشة وازدياد معدل البطالة، إلى الساعي للتعويض عن الخسارة المالية إثر وقوعه ضحية شركة مالية غير شرعية في مشهد، على غرار "شركة صلاح عزالدين" في لبنان التي التهمت مدّخرات آلاف المواطنين بعدما وعدتهم بفوائد خيالية، قبل أن تتوقف عن الدفع بذريعة الافلاس، فالناقم على الفساد والمفسدين من أهل النظام، وهم موجودون في كل نظام. لكن – يضيف المصدر – من الغباء اعتبار ان الاحداث الحالية معزولة عن الصراع المفتوح بين الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها العرب والاقليميين من جهة، وبين إيران.

ويرى المصدر إياه ان الاجهزة الامنية في الجمهورية الاسلامية كثّفت رقابتها ومتابعتها للخلايا والتنظيمات المسلحة في الداخل والمناهضة للنظام، خصوصاً بعد المؤتمر الذي عقدته منظمة "مجاهدو خلق" المعارضة في باريس العام الفائت بحضور ممثلين عن وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CI A) والعديد من الاجهزة الغربية، إضافة إلى شخصيات عربية كانت تشغل مناصب أمنية رفيعة في بلادها، وتبين لها ان هذه التنظيمات ـ وبدعم مالي وتسليحي واعلامي ـ حاولت تبني هذه الحركة الاعتراضية، والنفخ في نارها وتوسيع الحريق، بما يسمح لها تسجيل اصابات مباشرة في شباك النظام الايراني وإحراجه، في المرحلة التي يتهيأ فيها لحصاد نتائج انتصاراته في سوريا والعراق وحضوره في اليمن وعودته القوية الى الساحة الفلسطينية.

وتابع المصدر الوزاري تحليله المبني على معلومات، ان التدخل الخارجي ـ ولو لم يؤد أغراضه إلى الآن ـ كان واضحاً من خلال تصريحات تشي بإمكان حصول مثل هذه الاحداث على لسان مسؤولين غربيين وعرب، ومسارعة محطات تلفزة معروفة الاتجاه الى تضخيم صورة ما يحصل داخل الجمهورية الاسلامية.

واعتبر المصدر عينه ان تصريحات الرئيس الاميركي دونالد ترامب وحّدت المكونين الأساسيين للنظام الايراني: الاصلاحيون والمحافظون، وهم استقطبوا في الانتخابات الرئاسية الاخيرة ٤٠ مليون ناخب، أي ما يوازي نصف الشعب الايراني. وقال ان الحركة الاعتراضية هذه المرة ايضا هي في طريقها الى الاحتواء داخليا، ولكنها ستكون موضع استغلال خارجي الى اقصى الحدود.

ولاحظ المصدر وجود تخوّف إيراني من سعي واشنطن الى رفع مسألة الاحداث التي شهدتها الجمهورية الاسلامية الى مجلس الامن، وتحريك المنظمات الاممية كحقوق الانسان والعفو الدولية وسواها، ومحاولة اتخاذ قرارات ضد النظام وادانته بجرائم ضد الديموقراطية ودعوته لاحترام ارادة الايرانيين في التعبير عن آرائهم، وذلك على الرغم من الموقف المتمايز لفرنسا ورئيسها الذي نوه الى الدور الذي اضطلع به "الحرس الثوري" الايراني في القضاء على "داعش"، في معرض رفضه خلال اتصاله بالرئيس حسن روحاني تصنيف الجمهورية الاسلامية ضمن دول محور الشر.

ولكن السؤال المطروح: هل تستطيع دول الاتحاد الاوروبي مقاومة الضغوط الاميركية عليها؟

والى جانب موقف الرئيس ترامب والدول العربية الداعمة لتوجهاته، هناك اسرائيل التي تقوم بدور تحريضي كبير، وتجنّد كل طاقاتها لتشديد الحصار والطوق على طهران بغرض إضعافها ودفعها الى مساومات تتناقض مع لاءاتها التي رفعتها منذ انتصار ثورة الخميني. وفي كل يوم تقدم الدليل على ذلك، سواء بسلوك أجهزتها الامنية وتصريحات سياسييها ومسؤوليها، وتحليلات الخبراء والمعلقين وتسريبات وسائل الاعلام على اختلافها.

ويرى المصدر الوزاري ان عدم نزول "الحرس الثوري" الايراني مباشرة الى الميدان يعني ان الوضع مضبوط ولا يحتاج الى تدابير استثنائية، لكنه في حال حاضر لمواجهة اي طارئ.

لا يستبعد المصدر ذاته ان تكون احداث إيران الاخيرة الايذان بمحاولة تفتيت هذه الدولة الاقليمية الكبيرة، على غرار المحاولة التي حصلت مع العراق وسوريا، وذلك نظرا لتشابههما مع هذين البلدين، خصوصاً لجهة التنوع الاثني والمذهبي. ومن هنا ايضا يمكن فهم حرص تركيا، المتنوعة عرقياً وإثنياً، على استقرار الجار الفارسي وأمن نظامه الحالي.

كيف سترد إيران؟

لا شك ان هذه الاحداث أزعجت طهران ونغّصت عليها نشوة ما حققته في الاقليم من انتصارات، وفتحت أعينها على ما يحاك ضدها، وسيتعين عليها ان تتنبه لما يحصل في الداخل، من دون ان تنكفئ وتقنّن من دعم "حزب الله" في لبنان و"حماس" و"الجهاد الإسلامي" في فلسطين، أو تحبس مساعدتها للنظام في سوريا، وهي بالتالي تعرف ما يتعين عليها فعله، والكلام دائما للمصدر اياه.

اما كيفية الرد، فهي حتماً ليس الدخول في حرب مع دول الجوار الخليجي لأن هذا ما تريده واشنطن لتجريد حملة دولية ضدها، بل على ما تشير المعلومات، فانها ستعمد الى تزويد الحوثيين بأنواع جديدة من الصواريخ وبكثرة، والانخراط أكثر فأكثر بتقديم الدعم للمقاومة في فلسطين، والاستمرار الى جانب النظام السوري في استئصال ما تبقى من بؤر الارهاب والقضاء على "جبهة النصرة"…

ولكن ذلك قد يساعد إيران على الحفاظ على مكانتها الاقليمية والدولية، في حين أنه لا ينبغي تجاهل ما ظهر من أعراض وعوارض في داخل الجمهورية الاسلامية، حيث لا ينبغي الاقلال من خطورة دلالاتها، ما يستوجب سلوكاً مسؤولاً يتجانس مع دقة التحديات.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.