"الحدث الإيراني"..  في "البيدر اللبناني"

من يرقّص الثعابين في الخليج؟

جورج  علم 

كان إعصار 2018 ثقيلا على الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، إستقبلته بداية بروح اللامبالاة، إلاّ أن الزلزال البشريّ بدأ يتعاظم ويتفاقم ويشدّ إهتمام الرأي العام الدولي والإقليمي الى خطّه التصعيدي، والترددات العنيقة التي بدأ يتركها في طول البلاد وعرضها. لقد صدم الجميع.. من المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، الى خاصته، الى الرئيس حسن روحاني، ووزرائه، الى تركيبة الدولة المعقّدة من أعلى هرميّتها الى سائر الملحقات.

حمل العام 2018 "عيد النيروز" معه،  لقد حلّ باكرا هذا العام؟. هل هو "ربيع إيران" المصبوغ بلون شقائق النعمان؟ ليس في هذا مبالغة لأن التطورات المتسارعة فتحت أبواب  الجمهوريّة على مسارات ثلاثة، الأول: إصلاح جذري لا بدّ منه لتهدئة الخواطر، وقد قالها الرئيس روحاني صريحة "لا بدّ من عمليّة جراحيّة كبيرة في الإقتصاد الوطني.. وإلاّ!"… الثانيّ: ثورة على الثورة، وهذا خيار مطلوب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي شنّ منذ وصوله الى البيت الأبيض، أعنف هجوم على الإتفاق النووي الإيراني، وعلى موقف إدارة الرئيس باراك أوباما "الضعيف" منه. ويقف الى جانب ترامب المملكة العربيّة السعودية، ودولة الإمارات العربيّة المتحدة، ومملكة البحرين، وإسرائيل. أما المسار الثالث: فقلب الطاولة، والهروب الى الأمام، في المواجهة العسكريّة المباشرة مع السعوديّة، وإطلاق حرب مذهبيّة على نطاق واسع.

وهذه المواجهة بدأت فعلا، وعلى كل الجبهات الإعلاميّة، والدبلوماسيّة، والعسكريّة. ذهب الرئيس ترامب الى الزرع باكراً، زيارته التاريخية الى الرياض أيام 20 ، و21 ، و22 من أيار من العام المنصرم بدأت تعطي ثمارها، كانت إيران ضمن "محور الشر"، او "الدول المارقة" وفق تصنيف إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، بالإضافة الى سوريا، وكوريا الشمالية. لم تأت إدارة ترامب بأي جديد، إنها تنفّذ إستراتيجيّة مرسومة منذ عهد هنري كيسنجر. الإنتقام من سوريا كان عنيفاً، مكلفاً، ولا تزال برك الدم تتكاثر، وإن خفّت نسبيّاً رائحة البارود. أين سوريا اليوم من دول الطوق لإسرائيل؟ اين هي من القوة والفعاليّة على الساحتين الإقليميّة والدوليّة؟ الجواب عند الرئيس ترامب، وهذا ما يشكّل حساسية مفرطة لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لا دور "للدول المارقة". اليوم سوريا، وغداً أو بعده كوريا الشمالية وزعيمها كيم جونغ أون، وزرّه النووي الموجود دائماً على مكتبه. وربما ما يجري في إيران اليوم يدخل في هذا السياق، ذلك ان "اللفّات، والطاقيات، والقلنسوات،  لا تبني أوطانا، ولا تحترم ديموقراطيات، وبالكاد تقوم بالدور المشرف عل تنظيم الصلوات". جاءت الثورة الخمينيّة باسم الشعب. بإسم الفقراء، والضعفاء، والمهمّشين، وأصحاب الحاجة، وإذ بهؤلاء ينتفضون اليوم على الثورة – التي قيل يوما بأنها ثروتهم – بعد ان خذلتهم، وتركتهم على قارعة الفقر، والبطالة، والعوز، مقابل الإنفاق النهم على "الحرس الثوري"، وترسانته.

في الثاني والعشرين من أيار الماضي صدر بيان مهم إثر قمم ثلاث عقدها ترامب في الرياض: الأولى مع الملك سلمان بن عبد العزيز. الثانية مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي. الثالثة مع قادة الدول الإسلاميّة. صيغ البيان بأبجديّة الحزم، وكان واضحاً في مضمونه، صريحاً في تحديد الجهات المعنيّة. أكّد على مواجهة إيران، وتمدّد "الحرس الثوري" في خصوصيات الدول العربيّة والإسلاميّة، قالها ترامب صريحة: "إنه مع تحالف سني في مواجهة المدّ الشيعي الإيراني".

في الأول من حزيران، أي بعد أيام معدودة، بوشر بتنفيذ البيان عندما أعلنت كل من السعوديّة ودولة الإمارات والبحرين وجمهورية مصر، سحب السفراء من الدوحة، وفرض حصار على قطر، ومعاقبتها إقتصاديّا لأنها رفضت قطع علاقاتها مع إيران. وجاءت "الحوريات" الأميركيّة والأوروبيّة لتستحم في مياه الخليج، وتقف على آخر المستجدات،  وتكتشف  بأن البيت الخليجي قد أصبح بمنازل كثيرة، وكلّ يغني على ليلاه. امّا الغطّاسون المحترفون في صيد اللؤلؤ الخليجي فقد حصدوا الخيبة نتيجة القلق الذي يسكن المكان من جراء المجازر التي ترتكب باليمن السعيد بحق الأطفال، والنساء، والشيوخ. لقد تحوّلت الحرب هناك من تنافس على الشرعيّة والإصلاحات، الى حرب بالوكالة ما بين السعوديين والإماراتيين الذين يدعمون حكومة الرئيس عبد ربّه منصور هادي، والإيرانيين الذين يدعمون الحوثييّن.

ورفع الكاتب الأميركي توماس  فريدمان الغطاء عن المستور، عندما كتب مقالا في  صحيفة "نيويورك تايمز" في 24/ 11/ 2017 عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان  بعد جلسة طويلة في ديوانيته إستمرت 4 ساعات، وتخللها "منسف"، بحضور عدد محدود من الوزراء والمسؤولين  المقربين. يقول في مقاله نقلا عن ولي العهد "إن المرشد الأعلى الإيراني هو هتلر جديد في منطقة الشرق الأوسط. غير أننا تعلّمنا من  أوروبا أن الإسترضاء في مثل هذه الحالة لن ينجح، ولا نريد أن يكرر هتلر الجديد في إيران ما حدث في أوروبا، هنا في الشرق الأوسط".

ويذهب  فريدمان الى الأبعد، فيقول نقلا عن الأمير محمد بن سلمان: "إن السعودية وحلفاءها العرب تبني بالتدرج تحالفاً لمواجهة توسع إيران في المنطقة، وذلك بدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وصفه بن سلمان بأنه الرجل المناسب في الوقت المناسب".

بالطبع ردّت إيران. ووصف المتحدث بإسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي تصريحات ولي العهد بـ"غير الناضجة والسخيفة"، معتبراً أنها جعلت العالم، والمحافل  الدوليّة لا تقيم لها وزناً".

إنزلق الصراع من التصعيد الإعلامي الى التصعيد الميداني، وتحولت اليمن الى ساحة لتبادل الرسائل القاسيّة، صاروخ باليستي يستهدف محيط مكّة المكرّمة، ثان يستهدف مطار الملك خالد، ثالث يستهدف قصر اليمامة. صحيح أن الصواريخ الثلاثة لم  تصب اهدافها، ولكن الصحيح أيضا أن وزير الخارجيّة عادل الجبير قد خرج عن كياسته الدبلوماسيّة، وأعلن أن ما يقوم به الحوثي نيابة عن الإيراني، إنما "هو "عمل حربي"..

هل تتبع إيران سياسة الهروب الى الأمام  بإعلان الحرب ضد السعوديّة، لوضع الشعب الإيراني المنتفض أمام أمر واقع جديد فينصاع، ويهدأ؟!. منطق الأزمات المماثلة في العالم هو هكذا: "ألف عدو في الخارج، ولا عدو واحد في الداخل!"، لكن مثل هذا الخيار يصحّ إذا إستمر المسؤول قابضا على زمام الأمور، أما عندما تتفلّت من يديه شيئاً فشيئاً، عندها يصبح القرار بين أيدي الحلف الذي تحدث عنه ولي العهد محمد بن سلمان.

أين لبنان من هذا الإعصار؟

يقول توماس فريدمان في مقاله إن لبنان نال "طرطوشة حرزانة" عندما إستقال رئيس الوزراء سعد الحريري في الرياض. عن هذه الإستقالة تحدث بن سلمان لفريدمان قائلا: "الرئيس سعد الحريري هو زعيم السنّة في تركيبة النظام اللبناني، وقد إستقال لأنه رفض أن يوفر الغطاء  السنّي لهيمنة حزب الله الشيعي  على مقدرات البلاد. وعندما عاد عن إستقالته إنما فعل مقابل ضمانات… ونحن ننتظر لنرى…".

الأخطر، أن لبنان هو المرآة التي تعكس ما يجري في بلاد فارس. ما بعد الإنتفاضة ليس كما قبلها، فإن إقتصرت على تحقيق المطالب الخدماتية والإجتماعيّة والمعيشيّة، فهذا يعني أن إيران مقبلة على عمليّة جراحيّة كبرى في إقتصادها وماليتها وإنفاقها الحربي، كما أعلن الرئيس حسن روحاني، وهذا ما قد يؤدي الى التخفيف من فاتورة الإنفاق على "الحرس الثوري الإيراني" و"حزب الله"، وعلى  نشاطاتهما الحربية في الإقليم، وإن الحدّ من نفوذ "الحرس"، إنما يشكل مطلبا أول عند المنتفضين.

أما السيناريو الهادف الى تفجير زلزال كبير في إيران من نوع الثورة المضادة لثورة الخميني، فمن شأنه أن يترك إرتدادات، وتداعيات خطيرة في الخليج، والشرق الأوسط لن يسلم منها لبنان، خصوصاً وأن هناك من يسعى الى الإستثمار في هذه البورصة لخلق مناخ طائفي ـ مذهبي متوتر يلغي الإنتخابات النيابية، لأن لا مصلحة له في إجرائها  وفق القانون النسبي، والصوت التفضيلي. بالطبع هناك من يقول بأن العهد سوف يتصدى بقوة لمثل هذه المحاولات، من منطلق حرصه الشديد على إجراء الإنتخابات في موعدها… ولكن في حالات كثيرة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن…

أما السيناريو الذي يتجاوز الخطوط الحمر فهو الذي تحدث عنه الصحفي الإيرلندي المتخصص في شؤون الخليج باتريك كوكبيرن  الذي كتب مقالاً طويلا إستهله قائلا: "إذا جمعت إخفاقات ولي العهد محمد بن سلمان مع إخفاقات دونالد ترامب ـ فكلاهما مهملان، لا مباليان بعواقب أفعالهما ـ سيكون لديك خليط قابل للإنفجار يهدد المنطقة الأكثر قابلية للإنفجار على وجه الأرض". ويتساءل: هل ستندلع حرب كبيرة في الخليج "الفارسي" للمرّة الرابعة  في أقل من أربعين عاما؟!.

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.