نهاية ثورات الربيع العربي!

طارق المبيّض

لقد أقفل العام 2017 أبوابه على حقيقة لا مناص من الرضوخ أمامها لنصاعتها ووضوحها، حقيقة أن ثورات الربيع العربي قد أُنيخت أرضاً، تاركةً أحمالها الثقيلة على كاهل الشعوب العربية، ليُصار في ما بعد ورُبما في هذا العام الى نحرها ـ أو فلنقل لوأدها ـ وهي لم تبلغ بعد سنّاً يخولها المشي ولو بخطوات وئيدة.

ووراء هذه الحقيقة، حقيقةٌ أكبر وهي أن العرب، منذ ثورتهم التي أخرجتهم من بطون الصحراء قبل أربعة عشر قرناً، لم يعرفوا ثورة، نعم كانت هناك انقلابات كثيرة لا تحصى في التاريخ، كإنقلاب الأمويين على الخلافة الراشدة، وانقلاب العباسيين على الأمويين، وانقلاب الدويلات على "الخلافة" العباسية، ومن بعدهم ظهور المماليك والسلطنة العثمانية، كانت كل تلك الانقلابات تتم دون أن تحصل ثورة، لأن الثورة منطلقها فكري وهي بحد ذاتها تغير في المفهوم العام للدولة والمجتمع. وعندما نقول اليوم بأن ما حدث منذ إحراق محمد البوعزيزي نفسه في تونس قبل سبعة أعوام، وحتى اغتيال علي عبد الله صالح، لم يكن ثورة، ولا ربيعاً، فإننا بذلك لا نداري الأنظمة الحاكمة التي أطلقت العنان لوسائلها الاعلامية باعتبار ما يحصل "مؤامرة كونية على العرب"، فذلك لا يجاري المنطق ولا العقل في شيء، بل الحق يقال بأن التونسيين والمصريين والسوريين واليمنيين عندما انتفضوا بوجه السلطة، كانوا "ينفّسون" عن احتقان لا يعلمون سببه. كانوا يتوقون للتغيير، من دون أن تكون لديهم روح الثورة التي تحتم تغييراً شاملاً في المجتمع والسلطة، تلك الثورة التي تنتفض على المفاهيم، وتمسك بزمام أسباب التطور للحاق بركب الأمم السائرة على عجل الى غزو الكون بعدما ضاقت عليها الكرة الأرضية.

لقد كان هناك خلط لدى الشعوب الحائرة التي تظن نفسها ثائرة بين مفهومي الانقلاب والثورة، فلم تنجح بأي منهما، لأن الانقلاب على الأنظمة الموجودة صعب، في ظل وجود الدولة العميقة التي استطاعت استعادة المبادرة، والعودة الى الحكم، ولأن الثورة لم تؤمن بها الشعوب بعد، بل هي أثبتت أنها تحاربها، وهؤلاء "الثائرون" عن حسن نية، بدل أن يقودوا تحركاتهم بفكر تقدمي رأينا معظمهم يتبنى الأفكار الرجعية، ويجتر الماضي، ويبني أحلاماً سرعان ما قطعتها حقيقة اليقظة المرة.

بعد سبع سنين عجاف، لم تسبقهن سبعٌ سمان، باتت الصورة أكثر وضوحاً، لقد عادت الأنظمة الحاكمة الى ما هي عليه، ولكن المواطنين العرب باتوا بين قتيل وجريح ومعوق ولاجئ ونازح. بعض المدن أصبحت قاعاً صفصفاً، وبعضها الآخر تغيرت ملامحها… هذا على الصعيد المادي. أما على صعيد العقلية العربية، والمزاج العام، فإن شرائح كبيرة من الذين خرجوا على السلطة، باتوا على قناعة بأن الشعوب يجب أن تتبنى اللاءات الثلاث: لا للأنظمة الحاكمة الآحادية المتسلطة، لا للميليشيات الطائفية، ولا للإيمان بخطابات دول الإقليم التي تاجرت بأشلاء الشعوب لتحقيق مصالحها. وبات البحث على قدم وساق – أقله على صعيد النخب – لتبني مشروع كامل، مشروع وطني يتبنى القيم المدنية يضمن الاستقرار الأمني والسياسي، لتبدأ الدولة بمفهومها الحقيقي مرحلة البناء. وهذه القيم المدنية اصطدمت وستصطدم بالتأكيد بأولئك الذين يرفضون سنّة الله في خلقه، وهي سنّة التغير، وسيصطدم المشروع ـ كما اصطدم من قبل – بمن يرمي المجددين بأشنع التهم التي تصل الى حد التكفير ازاء كل ما يتبنونه من قيم حديثة تحافظ على الانسان. سنجد من يرفض فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، وسنجد من يرفض اعطاء المرأة كامل حقوقها، ومن لا يقبل بحرية الفرد في اختيار ما يؤمنون به، وسنجد من يرفض المؤسسات الدستورية التشريعية والقضائية بدعوى أنها لا تحكم بما أنزل الله، ومن يدعو الى "الجهاد" ضد السلطة الحاكمة برمتها.

هذا من جهة من يدعون الثورة.. وفي المقابل أيضا سنجد أنصار الدولة الديكتاتورية الذين يعتبرون كل من يدعو الى حرية الرأي عميلاً للمشروع الصهيو- أميركي، وكل من يعلو صوته بوجه الفساد والسرقة التي يمارسها الحاكم وأعوانه، بأنه "عميل اسرائيلي"، وكل من يصرخ لمواجهة الفقر والعوز والبطالة بأنه "مرتزقة" يعمل لمصلحة "المؤامرة الكونية" ضد البلد…

سنجد من هذه الأمثلة الكثير، لكن والأمل يحدونا أكثر من الواقع بأن هؤلاء الصنفان لم تعد لديهم المصداقية الكافية، والارضية لممارسة دعواهم وعربدتهم، فكل الخيالات التي نسجتها القوى التي تسمي نفسها اسلامية خلال الاعوام الماضية، تبين أنها سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً فإذا جاءه لم يجده شيئا. فكم ضحكوا على الناس بأن الملائكة تقاتل في شوارع الرقة، وحمص، وصنعاء.. وكم نسجت تلك الجماعات لنفسها صورة نقية، فوجدها الناس بعد فترة تتقاتل على النفوذ، وتنحر بعضها بعضا كالخراف في يوم العيد اذا ما اختلفت على مخزن حبوب أو قطعة ارض، أو فضحت بأنها تتقاضى أموالا من الأنظمة التي تحاربها، أو انها عميلة لهذه الدولة او تلك…

كم سمعنا من خطابات رنانة من حكام عرب يعتبرون الصارخين من جوعهم بأنهم شرذمةٌ قليلون، وأنهم جرذان، وكم طالعتنا صحف الانظمة بروايات خيالية تضاهي بخرافيتها أفلام هوليوود عن من ينادون بالحرية، فقصّت علينا مرة أنهم يتلقون أسلحة اسرائيلية ثقيلة، ومرة أخرى كشفت اللثام عن أحد "الثوار" ليتبيّن أنه ضابط "موساد"… ولا ادري، لماذا يستخدم العدو الصهيوني دائماً في مؤامراته ضباطاً ولا يرمي لنا بعناصر عادية!

جميع هؤلاء لم تعد لديهم أرضيةٌ ولا مصداقية، والشعوب العربية تتطلع الى "المنقذ" الذي يملك مشروعا نهضوياً يسير بالبلاد نحو التطور، ومن يحملون هذا المشروع منذ محمد عبده والافغاني.

على هؤلاء أن يخرجوا من وراء مكاتبهم ويخلعوا عنهم ربطات أعناقهم، ويمسكوا بمعول يهدمون به ما بني على باطل، وباليد الأخرى طيناً يبنون به صرح المستقبل.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.