بين فصلين كئيبين.. وذكرى مجيدة: تقديم أوراق اعتماد الإستقلال

جورج علم

يذهب السفير سعد زخيا الى مدرسة التاريخ والجغرافيا، متسلحاً بخبرة، وبقفّازات حريريّة ليصحح، وينقّح، بقدر ما تسنح الظروف، وتتيح الفرص. يقف وحيدا على القمّة، هل هي فوّهة بركان ثائر، أم رأس طود عامر؟!.

لا يمكن الإجابة بصدق، وشفافيّة، لأن الظرف ملتبس، وقد طلب منه ان يزور الدوحة الدمشقيّة قبيل ذكرى عيد الإستقلال، وفي زمن خريف قائم، وشتاء قادم، متحديّا الصعوبات، رغم نواميس الطبيعة التي تؤكد بأن الأزهار الفوّاحة، والرياحين العطرة لا تنبثق بين شيخوخة مرتجفة، وموت محتّم!.

خبرة معتّقة

يتكىء الرجل على رصيد فريد: دبلوماسيّ محنك. خبرة طويلة وغنيّة، مهام متعددة ومعقّدة، محطّات عدّة، وإخلاص متفان لمصلحة الدولة، ومؤسساتها، ليخرج التبر من كور التجربة أكثر صفاء ولمعانا.

تعب وزيرالخارجيّة والمغتربين جبران باسيل في إختياره، وعندما توافق الرئيسان ميشال عون وسعد الحريري على توقيع مرسوم تعيينه سفيراً للبنان فوق العادة، مطلق الصلاحيات، في العاصمة السوريّة، شعر بعض اللبنانيين بهزة عنيفة تضرب مناطق نفوذهم، بقوّة تشابك المصالح المشتركة بين البلدين، فيما إرتشف البعض الآخر غبطة من  كأس السعادة والإرتياح!.

والتوقيت… والوزنات…

تحوّل تعيين سعد زخيا في هذا التوقيت المحلي، الإقليمي، والدولي الى حدث مثير. ليس في القاموس الأممي من يفتح الصفحة اليوم على أبجدية البعثات المعتمدة، او المقيمة في عاصمة الاموييّن، ومن يفعل، يجد أن الصفحة مطويّة وممهورة بخاتم القطيعة والمقاطعة، ذلك ان لعبة المصالح لا تعترف بكتاب الصرف والنحو، ولا تتقيّد بقواعد السلوك الحضاري، ولا تعير وزناً للأدبيات والأخلاقيات، إنها شاردة من معاقل "البزنس"، من فوعة الأرقام، من حفيف الحسابات المتلااطمة المتلاكمة حول صياغة جغرافيا المنطقة وحدود الحصص والمصالح.

يذهب السفير اللبناني الجديد الى حيث يصنع حاليّاً تاريخ المنطقة، ويصار الى ترسيم حدود جغرافياتها من جديد. 86 دولة، وربما أكثر، متورطة تحت شعار محاربة الإرهاب، فيما الحرب الحقيقية تدور حول الإستئثار بإمدادات الغاز، وحقول النفط، ومناجم البوتاس، والمعادن الأخرى. يذهب، وفي عهدته أربع وزنات ـ على الأقل ـ لا يمكن التلاعب بها إلاّ من موقع الحرص على تفعيلها لمضاعفة مردوداتها.

الأولى: عليه أن يعير الشطر اللبناني إهتماماً. يعرف تماماً أنه ليس موضع ترحيب من قبل فعاليات لها حضورها ووزنها على الساحتين الوطنيّة والسياسيّة، وايضاً لها حساباتها الخاصة المنسّقة بشكل جيد مع محاور عربية وإقليميّة تقف على خطوط التماس في مواجهة النظام السوري.. وخياراته. وليس بالضرورة ان يكون الإعتراض على التعيين عن طريق المناداة، ورفع الأيدي، طالما أن البدائل متوافرة، وما عكسته التغريدات عبر وسائل التواصل الإجتماعي خير دليل، الى حدّ أن منتسبين الى دول عربيّة متمكّنة لم تنقصهم الشجاعة في الإفصاح عمّا يخالجهم من "طموح" يهدف الى تحويل الساحة اللبنانية ـ بعد السوريّة ـ الى ميدان فسيح لتصفية الحسابات.

إن الوقوف موقف المتفرّج في موقعه الحساس قد يفاقم الأمور، فيما المطلوب ان يتقن  مهنة الجوهرجي، ويزين الأمور بميزانه الدقيق لكي ينجح في تغيير الحسابات، والمراهنات.

الثانية: ان ينظر الى الشطر السوري بحكمة، ودهاء، وتبصر، حيث "داعس والغبراء"، و"داعش" وأخواته وأولاد عمومته، والمولاة والمعارضة، او بالأحرى المعارضات، وحيث النظام، والإعتراضات التي تحاصره من كل حدب وصوب، وحيث المناطق الامنة، والأخرى المصنّفة في خانة "الأقل توترا". وحيث مؤتمرات أستانا، ومؤتمرات جنيف. وحيث الروسي، والأميركي، والتركي، والإيراني، ولعبة الشطرنج التي يجيدونها فوق  الرقعة السوريّة.

إن كلّ عنوان يحتاج الى فريق عمل مجنّد للمتابعة، ولتبسيط الأمور من أجل فهم ما يجري بأبعاده، وخلفياته، فكيف بسفير عليه أن "يسبّع الكارات؟!".

الثالثة: رصد بورصة الإعمار، ومتابعة مؤشراتها، وملاحقة النشاطات التي بدأت على مستوى وفود الخبراء، والمصارف، والبعثات المتخصصة.

إن لبنان يمنّن النفس، ويبوح بالمضمر، ويستعد معوّلا على الطاقات والإمكانات لينخرط في الورشة بكل حماس. هنا تركن "جبّالة" باطون، وهناك ترتفع أعمدة معمل جديد للإسمنت، وهنالك مرفأ يتوسّع، ومطار يتهيأ، وتهافت غير مسبوق من شركات أجنبيّة عملاقة بدأت وفودها السبّاقة تغزو لبنان بحثا عن مكاتب، وموطىء قدم، للإنطلاق.

ليس عليه أن يحمل المطرقة والإزميل ليشارك في الورشة، لكن عليه ان يكون البوصلة الدقيقة التي ترشد الحكومة اللبنانية، ومن خلالها، القطاع الخاص، الى الإتجاه الصحيح كي تمضي المعاول اللبنانية، إن هي شاءت، ويبدو أنها متحمّسة.

الرابعة: عودة النازحين.

إنها الورشة الأكبر، والأضخم، والأهم التي عليه تفعيلها، وحسن إدارتها. وهذا تحدّي كبير يتطلب قدرات إستثنائيّة للوصول الى الخواتيم المرجوة. ومن وجوه هذا التحدّي:

أ ـ ليس هناك بعد من ورقة لبنانية رسميّة واحدة لمعالجة هذا الملف. هناك أربع أوراق تتفاعل، تتجاذب، تتناقض، واحدة لـ"التيار الوطني الحر"، وثانية لـ"تيار المستقبل"، وثالثة لـ"حركة أمل" منسّقة مع "حزب الله"، ورابعة للمستقلين من "لقاء سيدة الجبل" الى سائر السيدات والسادة في المجتمع المدني، الى الهيئات النقابيّة، وغيرها. الجامع المشترك بين هذه الأوراق، الإصرار على العودة. لكن كيف؟ فكل يغنّي على ليلاه.

ومن وجوه هذا التحدّي الخلاف العميق بين المكونات اللبنانية حول الأسلوب الذي يفترض أن يعتمد لتحقيق العودة. الرئيس سعد الحريري لا يريد ان يتحدث مع الحكومة السوريّة، ولا يريد ان ينسّق، ولا أن يفتح قنوات إتصال، وفي نفس الوقت يريد عودة طوعية آمنةومضمونة للنازحين، عن طريق الأمم المتحدة ومجلس الأمن والدول الخمس الكبرى، ومساهمات الدول الشقيقة، والصديقة. وقد قام شخصيّا، ولا يزال، بمجهودات خاصة من خلال الزيارات التي يقوم بها، والشخصيات التي يتحدّث اليها، ولكن النتيجة لغاية الآن:  "إسمع تفرح، جرّب تحزن؟!".

"التيار الوطني الحر" لا يرى عودة فعليّة إلا عبر بوابة النظام، والحكومة السوريّة، وبالتالي لا بدّ من فتح الأبواب  الموصدة، وإعادة سلوك الطرق المقطوعة، والعودة الى طاولة الحوار والتفاهم والتنسيق مع الحكومة السوريّة لوضع خريطة طريق واضحة المعالم، تحظى بدعم دولي ـ إقليمي مساعد.

ويرى "التيار الحر" أن الخيار الآخر الذي يمثّله الرئيس الحريري، حتى لو إنتصر، وأخذ به، لا يمكن أن ينجح إلاّ بعد حوار مع الحكومة السوريّة والتفاهم معها، والتنسيق معاً لوضع ما هو مرسوم على ورق موضع الفعل على أرض الواقع. ودور السفير اللبناني لدى دمشق أساسي، وحيوي  لتثمير الجهود المشتركة.

ومن وجوه التحدّي أن دولاً عربيّة لا تريد العودة، ولا تريد تعيين سفير جديد لدى دمشق، ولا تريد أن يحظى ملف النزوح بأولوية الإهتمام في جلسات مجلس الوزراء ، بل أولويات أخرى تتقدم، كمواجهة "حزب الله" وتجريده من سلاحه، ووضع حدّ لدور المقاومة، ومواجهة المدّ الإيراني في المنطقة…

إن التأثير السلبي لهذا التوجه لا يمكن مواجهته عن طريق الإعتماد على الحفلات الزجليّة القائمة والمحتدمة بين مكوّنات "الأمة" اللبنانية، بل عن طريق التحسّس بجديّة الأخطار الداهمة، وتلك المتسلّلة من وراء الحدود، خصوصاً وأن هناك منصّات لبنانية داخليّة جاهزة  لرفع الصوت، والتقيّد بالإملاءات الوافدة من القريب والبعيد. إن في الأمر ما يدعو فعلا الى اليقظة والتنبّه.

ومن وجوه التحدي أن دولا نافذة مشاركة في مؤتمرات الدول المانحة، لا تريد العودة، لا بل تريد دمج مجتمعات النزوح في صلب المجتمعات المضيفة، مع توفير كامل مستلزمات السكن، والعمل، والطبابة والإستشفاء، والتعليم، والمشاركة الفعليّة في الحياة العامة، مقابل حفنة صغيرة من الدولارات.

نصيحتان.. ببلاش!

عندما تركت سيغريد كاغ منصبها كممثل رسمي للأمين العام للأمم المتحدة، لتشغل منصب وزير الخارجيّة في الحكومة الهولنديّة الجديدة، تركت في بيروت نصحيتين بعد تجربتها العميقة والمضنية مع المكونات اللبنانية المختلفة. الأولى: إبعاد ملف النزوح عن المزايدات السياسيّة والإعلاميّة، والتعاطي معه من موقع المسؤولية الوطنية الكبرى التي تستدعي السريّة الجادة، والعمل الهادف.

الثانية: إن ملف النزوح لا يمكن أن يستوي على قائمتين لبنانية وسوريّة، ولا بد من "سيبة" تقوم على قوائم ثلاث مكوّنة من مجموعة الدعم الدولية للبنان والحكومة اللبنانية ودمشق، وكل جهد آخر سيخطىء الهدف.

وسط  هذه التحديات، يذهب السفير سعد زخيا الى الدوحة الدمشقية، ولبنان على مقربة من ذكرى الإستقلال، ليقدّم أوراق إعتماد الإستقلال الى كبار المسؤولين في  عاصمة الأمويين التي تمرّ بفصلين كئيبين: خريف، وشتاء.. شيخوخة تنازع، وحيوية تموت… فهل يحدث تعيينه ربيعاً يفجّر الطاقات اللبنانية – السوريّة؟!… إنه التحدي، والتحدي الأكبر إنه على رأس قمّة البعثة الدبلوماسيّة اللبنانية في دمشق. فهل هي قمّة بركان متفجر.. أم طود راسخ لا تقوى عليه الرياح؟!…

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.