هنري صفير: المغامرة.. و"الشوكولا"!

 ** خضر طالب **

يحتمل هنري صفير "الالتباس السياسي".. عن بعد. أما عن قرب، فالرجل واضح جداً وجريء جداً وعميق جداً…

لكن برودة حركته السياسية ما تزال متأثرة بخوضه تجربة الانتخابات مرّة في العام 1972، ثم في دورتي 1992 و1996 وهو مقتنع أنه نجح فيهما لكن السلطة السياسية هي التي تلاعبت بالنتائج "على ضوء الشموع" مع "الانقطاع المشبوه" للتيار الكهربائي أثناء عمليات فرز الأصوات.. وهو اليوم لا يريد أن يتم تخسيره الانتخابات بسبب "التيار البرتقالي"!

يراقب الرجل من قصره في بلدة ريفون في أعالي جرود كسروان، الحراك الانتخابي للقوى السياسية الرئيسة وللمرشحين الذين يقومون بنشاط محموم من أجل حجز مقاعد لهم في لائحة تؤمّن لهم الحاصل الانتخابي. أما هو فإنه متأثّر ببرودة الطقس، وغير مكترث كثيراً، ويدرس خياراته بهدوء شديد يشبه حالة قصره، ويراجع العروض المقدّمة له ليكون في هذه اللائحة أو تلك.

لكن هنري صفير، المعروف بمغامراته الاقتصادية والمالية والإعلامية.. وحتى الشخصية، تتنازعه هذه المرة أفكار الترشيح والعزوف. لم يكن متردّداً في ما مضى باتخاذ أي قرار، ولذلك فهو دفع أثماناً كثيرة لقراراته الحاسمة التي قد يصفها البعض أنها كانت "متسرّعة"، والبعض الآخر يرى أنها كانت "متهوّرة".. أما اليوم، فيبدو كثير التفكير ودقيق الحسابات وينظر إلى الطاولة قبل أن يحرّك عنها ورقة.

لا يهتم.. الرجل صار يمتلك من الخبرة ما يكفي للتحصّن بالصبر والدرس والتمحيص. فهو لديه مخزون كبير من التجارب والقراءات والذكريات والعلاقات. أساساً هو "حاضر وجاهز" انتخابياً، ينقصه فقط "القرار".

يرمي مواقفه السياسية في كل اتجاه ببساطة. المحظورات بالنسبة له صارت من الماضي. فقد خرق سابقاً محظورات أكبر ودفع ثمنها، وبالتالي لن يتغيّر اليوم.

هو يعرف كثيراً من التفاصيل السياسية والدينية والفقهية و… لكنه يرمي بصفحات المقدمة منها كطعم لمن يهوى حب الاستطلاع، تاركاً للآخرين التفتيش عن الإبرة التي رماها في كومة الأفكار.

الواضح أن خبرته السياسية، وكذلك تجربته الإعلامية في جريدة "نداء الوطن" التي أصدرها في التسعينات، ثم في تلفزيون "ICN" الذي استطاع سريعاً حجز مكان له في مساحة الإعلام اللبناني، تساعده اليوم في طريقة طرحه للأمور والعناوين التي يهوى استعراضها ليكتشف أي منها استمالت محدّثه، فيتابع ممارسة هواية رجل الأعمال الذي لا يسجّل على دفتر حساباته كامل الحسابات.

ولأنه كان مغامراً في الإعلام.. ينظر إلينا باستغراب لمغامرتنا في "الرقيب".. ولولا أدبيات اللقاء الأول بيننا لكان قال ما في قلبه، وإن قرأت في عينيه كلمة "مجانين".

كلمة السرّ عنده "شوكولا".. هي مفتاح كثير من الأمور. الدخان شوكولا.. والقهوة شوكولا.. والليمون شوكولا.. والضيوف شوكولا…!

أما "شوكولا" الحقيقي فهو ذلك الشاب المهذّب الذي يفهم عليه "على الطاير" حتى أصبح إسمه "شوكولا".

الرجل يعيش مارونية الياس الحويك الذي ذهب إلى فرنسا وطالب بلبنان الكبير الذي يضم تنوّعاً لأن المسيحيين كانوا يريدون ترسيخ فكرة المواطنة، "إلا أن المسيحيين اكتشفوا صعوبة بناء وتكريس فكرة المواطنة في ظل الواقع اللبناني". ويعيش صلابة البطريرك نصر الله صفير وتجربته… لا يعني ذلك أنه يدعو إلى العودة عن فكرة لبنان الكبير نحو الانكماش أو الفيدرالية.. هو يصرّ على لبنان، لكن يجب التعامل مع الواقع والوقائع.

في السياسة، يقف هنري صفير اليوم بعيداً عن "التيار الوطني الحر"، يبدو أن الكيمياء لم تتفاعل بينه وبين "التيار" لاعتبارات بدا متحفّظاً في مقاربتها. مع أنه يمارس هواياته في إطلاق الأحكام والتوصيفات في كل اتجاه.

يعتقد هنري صفير أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون "رجل تكتيكي وليس استراتيجياً.. ولا مرة كان استراتيجياً.. لكنه شخص يعرف جيداً كيف يخوض الانتخابات ويربحها، ولذلك فإنه سيلجأ من اليوم وحتى إقفال باب الترشيحات تحريك العجّة في الطنجرة حتى يخرج كل الذين لا يريد ترشيحهم، وفي آخر الوقت يعلن لوائحه ومرشحيه".

يرى هنري صفير أن انتخابات كسروان ستكون أصعب من غيرها لأن فيها "إقطاع إكليركي" و"إقطاع سياسي"، ولذلك فإن المرشح "عليه مواجهة إقطاعين: سياسي وكهنوتي"، ولذلك أيضاً فإن المعركة الانتخابية صعبة في كسروان.. لكنه لا يتوسّع في شرح دور "الإقطاع الاكليركي"، ربما لضيق الوقت، أو ربما لأنه لا يريد المواجهة معه في الوقت الراهن.. لكن الواضح أنه يكتفي بدقّ المسامير ويتمهّل في إطلاق السهام.

يشير إلى أن الصوت الشيعي في كسروان سيكون له تأثير بالغ، ارتفع من 10 آلاف صوت في انتخابات 2009 إلى 16 ألف صوت اليوم.

يكشف صفير أن أحد المرشحين أبلغه أنه مستعد لدفع 40 مليون دولار ليحجز مقعداً نيابياً "فقلت له ادفع 5 مليون دولار بتعمل وزير.. فأجابني أنه حاول ولم ينجح"!

في الأساس، لا يرغب صفير بالتحالف مع لائحة "التيار الوطني الحر"، لكنه تلقّى عرضاً من "القوات اللبنانية" للتحالف وهو ما زال يدرس قراره بهذا التحالف أو بالتحالف مع آخرين.

بل إن صفير لم يتّخذ قراراً بالترشّح حتى اليوم، وفي حال عدم ترشيحه فإنه لن يدعو مؤيديه إلى المشاركة في الانتخابات "القانون سيء.. وهذه الانتخابات سيئة.. بالتالي، لن أطلب من الناس أن يفعلوا ما أمتنع أنا نفسي عن فعله.. لن أجيّر أصوات المؤيدين لأي طرف إذا لم أترشّح".

"حزب الله" بالنسبة لصفير ليس وليد اليوم. برايه أنه كان هناك "حزب الله مسيحي" ثم "حزب الله سني" واليوم "حزب الله شيعي".. لكنه يرى أن خطر "حزب الله" الحالي هو في ما يملكه من المال والسلاح واستثماره فيهما معاً.

جوهر الصراع الدائر في البلد اليوم هو أن أحداً لا يمكنه أن يترك الآخر يحكم، فضلاً عن أن لكل مشروعه الذي يصطدم بمشروع الآخر..

هو ناقم على واقع البلد.. غير يائس من إمكانية قيام دولة حقيقية، لكنه يرى صعوبة كبيرة جداً امام مشروع قيام الدولة التي لا يمكن أن تقوم إلا بأن تتحول إلى دولة مدنية.

من هو هنري صفير

ولد هنري رشيد صفير في ريفون  ـ كسروان. تزوّج من كاتيا بولس التي توفاها الله في العام 1991.
تابع دروسه الابتدائية في مدرسة الفرير في طرابلس، ثم التكميلية والثانوية في جامعة القديس يوسف اليسوعية في بيروت. انتقل بعدها إلى باريس حيث نال إجازة في العلوم، تلتها شهادة عليا في الهندسة، ثم إجازة في العلوم الاقتصادية. 
عمل مهندساً في المصلحة الوطنية لنهر الليطاني سنة 1961. وفي سنة 1962 و 1963 أسس وشيَّدَ معملاً لتكرير الملح وتوزيعه في لبنان. ثم أسَّسَ شركة للمشاريع البنائية في لبنان. 
انتقل في العام 1973 إلى القطاع المصرفي وتملَّكَ أكثرية أسهم بنك "أدكوم" وأصبح رئيساً لمجلس إدارته.
ترشَّح إلى الانتخابات النيابية عام 1972 ومن ثمَّ عام 1992 و 1996.
أسَّسَ سنة 1992 شركة التلفزيون "ICN" ـ  "INDEPENDENT COMMUNICATION NETWORK"، وأصدر جريدة "نداء الوطن".
له العديد من المؤلفات منها: "نداء الكلمات، ومؤخراً رواية "أشنار".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.