رسائل الخبرة.. وحقل التجارب

خضر طالب

من لم يفهم بعد أن المنازلة الدائرة في البلد هي أبعد من حدود "المرسوم"، فإنه يحتاج إلى رسوم توضيحية حتى يستوعب.. مع أن التجارب في البلد تعطي شهادات خبرة لكل من يتعاطى العمل السياسي أو الديبلوماسي.

أخبرني أحد الديبلوماسيين الغربيين ذات مرة، بعد أسبوع على التحاقه بعمله في بيروت، أنه سعيد بمجيئه إلى لبنان. ظننت أن السعادة سببها أن لبنان بلد "فيه حياة" وبدأت اشرح له بفخر "مقومات الحياة" في لبنان.. لكنه قاطعني سريعاً ومنعني من الاستمتاع بالاسترسال في الحديث عن "حيوية اللبنانيين" و"قدرتهم على النهوض من تحت الرماد".. وتلك "الكليشيهات" التي نتغنّى بها مع أننا لا نعرف منها شيئاً!

قال لي الديبلوماسي إن كل ديبلوماسي، في وزارة خارجية بلدهم، يتمنى أن يتمّ تعيينه في لبنان، "لننا هنا نكتسب خبرة استثنائية في غضون فترة عملنا التي لا تتجاوز السنتين، بينما نحتاج إلى 10 سنوات لاكتسابها في عملنا الديبلوماسي في دول متعددة"!

بصراحة.. المعلومة صدمتني.. لكنني جلست بشيء من الفخر  وأردت ممارسة هواية اللبناني في "التفنيص".. "تنحنحت" قليلاً لأبدأ الكلام بنبرة فيها بعض "العنجهية".. لكن الديبلوماسي لم يتركني استمتع بهذا "الدور"، وتابع قائلاً وكأنه قد فهم مقصدي من حركة جسدي: "أنتم في لبنان تجعلوننا نكتسب خبرات من مشاكلكم الكثيرة وخلافاتكم التي لا تتوقف.. أنتم تفتّشون عن المشاكل من تحت الأرض.. لا ندري كيف تستطيعون ذلك، لكننا نستفيد من طبيعة علاقاتكم مع بعضكم.. التقارير التي نرفعها إلى رؤسائنا مداها قصير، ليس أكثر من يوم أو يومين.. في دول أخرى نرفع تقريرنا كل أسبوع أو كل شهر.. حتى أن بعضنا ينسى ماذا كتب في تقريره السابق.. أنتم مختلفون.. أنتم لديكم حيوية هائلة، لكنها تتفجّر في المشاكل بين بعضكم.. هذا أمر جيد بالنسبة لنا.. هنا نكتسب خبرة كبيرة من التجارب العديدة معكم. الديبلوماسي الذي يخدم في لبنان يتعب سنتين لكنها كأنها 10 سنوات.. حتى أن عملنا في لبنان يسجّل في سيرتنا الذاتي كعنصر مساعد لترقيتنا"!

كنت قد بدأت انكمش في مقعدي وهو يذمنا في مديحه.. "غلي دمّي" وبدأت ضربات قلبي تتزايد، تمالكت نفسي وقاطعته لأقول له "هذا يعني أنكم عديمو الخبرة بينما نحن لدينا ما يكفي من الخبرة لتعليمكم.. هذا جيّد.. إذن لنا أفضال عليكم بأننا نعطيكم نضوجاً بدل أن تبقوا سطحيين".

ويبدو أنه شعر بانزعاجي من نبرة صوتي وابتسامتي الصفراء.. فقال لي "صحيح.. نحن نتعلم منكم.. وليكن صدرك رحب.. سأقول لك ما قد يزعجك ولكن بصفة شخصية وليس بصفتي ديبلوماسياً، فسامحني على وقاحتي.. أنتم تعطوننا خبرة من تجاربكم.. لكن ذلك يعني أنكم حقل تجارب".

صمت قليلاً واعتذر عن التعبير واستأذن لينتهي الاجتماع بيننا وأنا أفكّر كيف أننا كلبنانيين نعيش في قفص داخل مختبر تجارب سياسية، بينما قياداتنا تفاخر بأنها تمتلك الخبرة في كتابة الرسائل السياسية، بينما يمتلك الخارج الخبرة في التجارب علينا.

بالمناسبة.. رسالة "البلطجة" و"تكسير الرؤوس" كانت مكتوبة بالحبر السرّي.. أما "رسالة الدواليب" فكانت مكتوبة بحبر الدخان الأسود.

بعد الرسالتين.. نحن بخير.. طمنونا عنكم!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.