ثورة طبقية ضد "شوفير الست" و"خدمتجي الريس"!

الدكتور فادي سعيد دقناش (*)

 عانت الأجيال السابقة والحالية من جور الإقطاع والإقطاعيين على مساحة الوطن، فكان الشيخ والزعيم والبيك والمير والخواجة والباشا وزبائنيتهم ينصبون أنفسهم ـ بالتعيين أو بالانتخاب ـ كأولياء أمور للرعية القاصرة، ويتمثّلون بهيئات طائفية أو إدارية أو أمنية، لإدارة شؤون الرعية، ويُغدقون الوعود عليهم بتحسين أحوالهم. واستمرت هذه العلاقة فاعلة إلى اليوم الذي بدأ فيه وعي جماعي جديد يسأل ويناقش، ويرفض كل نوع من أنواع الإقطاع والطبقية التي تُعطي امتيازات لشخص على حساب آخر.

ما دفعني إلى كتابة هذه السطور هو تساؤلات شبابية عبَّرت عن رفضها لهذا الواقع، انطلاقاً من الحق بالمساواة الذي أقرّته الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

كان 17 تشرين الأول 2019 التاريخ الـ"مجيد" الذي أعلنه اللبنانيون ثورةً على نظام إقطاعي عنصري طائفي قائم منذ نشأة دولة "لبنان الكبير". هذه "الثورة" ليست فقط مجرد احتجاجات على أزمات اقتصادية واجتماعية ونقدية، سبَّبتها ثلّة من رجال السلطة المتحكمة في رقاب الناس منذ الحرب "الأهلية"، إنَّما أيضاً "ثورة" على ثقافة نظامٍ شرَّع "البلطجة" والطبقية بين الناس التي تختصرها بعض الأمثلة الشعبية، مثل "ناس بسمنة وناس بزيت" أو "ابن ست وابن جارية"، وتُشرّعها عُرفاً معادلة حسابية خشبية "6 و6 مكرر".

إنَّ هذا النظام الإقطاعي الاستعماري نظام قديم عفا عليه الزمن، حتى أنَّ المُستعمر نفسه حذفه من قوانينه وأنظمته، لأنَّ ثقافة مجتمعه رفضت رُزمة هذه الامتيازات، انطلاقاً مِن أنَّ جميع الناس متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، وأنَّ مَن يتولى الشأن العام يجب أن يكون قدوة ومثالاً يُحتذى به. فالدولة ومؤسساتها ليست مُلكاً خاصاً لشخص، بل هي دولة الشأن العام، وتَرجمتُها على أرض الواقع نراها بمسؤول يذهب إلى عمله على متن دراجة هوائية أو قطار، ويسافر لحضور مؤتمرات بطائرة على الدرجة الاقتصادية برفقة وفد متواضع وكفؤ، وبمسؤول يجلس على الأرض داخل حديقة عامة يُدَوّن تقاريره وملاحظاته بنفسه وبيده "سندويشة" غير مكترث لآلات تصوير من هنا أو هناك، ويُقَدّم استقالته ويعتذر من شعبه فقط لأنَّ أحداً من دائرته الضيقة استغل منصبه معنوياً أو مادياً…

هذا في دولة الشأن العام. أمَّا في دولة القبيلة نرى العكس تماماً، حيث تَعمُّ ثقافة الجاه والحسب والنسب وثقافة الأنا أو لا أحد على حساب الغالبية العظمى من "رعايا" الشعب، فهناك بعض القوانين تُشرّع ـ حتى لموظف عادي ـ ممارسة هذه الفوقية على الناس (سيارات وحوافز مادية، نواطير أمام المكتب، مستشارون وهميون، حمالون لحقائبه، سائقون "خدمتجيون" لـ"الست"، مرافقون "ضانيون" ونواطير أمام أبواب المدارس والنوادي والمطاعم لأولاد الباشا الموظف…).

هذه الفوقية في التعامل مع الناس على مدى عقود من الزمن، عبَّر عنها المحتجون على امتداد الأراضي اللبنانية بالرفض والنبذ لـ"عَراضات" و"فُتُوّات" مواكب السيارات الأمنية للمسؤولين من أهل السلطة وزبائنيتهم، وقد تجلَّت على أرض الواقع بمنع مرور السيارات على الطرقات التي قطعها المحتجون، وتحديداً تلك المُمَوَّهة "المُفَيَّمَة" (غير العسكرية)، أو التي تحمل أرقاماً مُمَيَّزة لموظف عُيَّن (بالواسطة) لخدمة الناس وليس "للتفشيخ" عليهم.

ما يُبَيِّن مدى الحقد الدفين على طبقة "الفشيخة" من سياسيين وزبائنيتهم، هو ما شاهدناه على وسائل الإعلام كافة، بدءاً من طرابلس عندما أقحم نائب سابق نفسه في ساحة النور لينتقد نظاماً بائداً كان يوماً ما ضمن منظومته، فكان موضع انتقاد وغير مرحَّب به في الساحة، ما دفع أحد "قبضاياته" عند الانسحاب إلى رشق الناس برصاص الموت نجا منه العديد من الأشخاص بمعجزة إلهية، مروراً بـ"قبضايات" وزير في ساحة رياض الصلح التي كادت "فُتوَّتهم" أن تودي بكارثة لولا تدخل الوزير نفسه، وانتهت مؤخراً في خلدة برصاص جهل لـ"خدمتجي" أشعل البلد من أوله إلى آخره وكاد يودي البلد بفتنة لا تُحمد عقباها، بعد أن أنهى حياة "فخر الثورة" لأنَّه كان يطالب بحياة كريمة.

يؤكد المحتجون بأنَّ أهل السلطة موظفون لخدمتهم وليس العكس، وبأنَّ الرواتب والمخصصات التي يتقاضونها يُمَوِّلها الشعب اللبناني، وبالتالي لا يحق لهم ولا لزبائنيتهم ممارسة البلطجة والعنجهية عليهم، ويطالبون بنظام أكثر عدالة ومساواة، وبإلغاء كافة النصوص التي تُمَيّز بين مواطن وآخر.

المؤلم حقاً أنَّ مشاكل الناس وأزماتهم ومطالبهم تكاد لا تُعد ولا تُحصى، فجَّرتها مطالب معيشية تُخفي تحت رمادها ظلماً وحقداً وألماً من الطبقة الحاكمة التي انتهكت كل المحرمات، وفي مقدمتها كرامة الناس… ويأتي مَن يقول لك بأنَّ المطالب غير واضحة!

ثار الناس في الساحات والطرقات وأمام القصور والمغاور. انتفضوا وأعلنوها "ثورة" سلمية وستبقى. أرادوها تغييرية لمنظومة اقتصادية واجتماعية وسياسية وقانونية تقضي على دويلات الفساد التي أصبحت تُطاول النَفَسَ الذي يستنشقونه. قالوها بأعلى الصوت "كيف تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"… "نحن أحرار أحرار. كسرنا الأصفاد والأطواق التي كبَّلتنا لعقود، ولا نملك سوى إرادتنا وصلابتنا وقوة حناجرنا وصبرنا. سننتصر… لأنَّ الحق سينتصر لا محال على الباطل".

(*) كاتب وباحث في علم الاجتماع

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.