عن "العمالة" و"حمّام الدم"!

فتات عياد

في كل بلدان العالم، يبقى المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته، إلا في لبنان، فتهمة العمالة باتت "غب الطلب"، وأصبحت "شتيمة" مستهلكة، يشتم بها اللبنانيون بعضهم بعضاً، على قاعدة "بيي لبناني أكتر من بيّك"!

وتهمة العمالة في لبنان باتت "وجهة نظر"، أما شروط الانتساب إليها، فيكفي أن تذهب برحلة إلى تركيا لتصبح عميلاً لرجب طيب إردوغان في نظر خصومه، ويكفي أن تؤيد سلاح المقاومة لتصبح "عميلاً إيرانياً"، ومن يدري إن ذهبت لأداء فريضة الحج في السعودية، فقد يعتبرونك "عميلاً سعودياً"، أما إذا كنت مناصراً سابقاً لما كان يعرق بقوى "14 آذار"، فأنت "عميل أميركي متصهين"، وهكذا دواليك…

وقد تكون "وطنيتك" بحد ذاتها "تهمة"، فـ"العمالة" لمصلحة الوطن ضد الأحزاب الفاسدة، لا يغفرها لك مناصرو الأحزاب، فربما ينظرون إليك "من فوق لتحت"، بمجرد أن تكون رافعاً بيدك علم لبنان، لا أعلام أحزابهم "الوطنية"!

ومنذ حوالي السنتين، شارك الإعلام  و"أشرك" معه اللبنانيين بـ"حفلة" "الجلد" التي تعرض لها الفنان المسرحي زياد عيتاني، فأصبح عيتاني عميلاً في نظر الكثيرين، وأصبحت قصة العمالة "المفترضة" سبقاً صحفياً، ومسلسلاً "تشويقياً"، وبات "الجمهور" المتلقي هو "القاضي"، وهو "الجلاد"!

وذكرى المظلومية التي تعرض لها عيتاني، بعد أن تبيّن تلفيق ملف العمالة له، أعادت الخوف من إشراك الناس في عملية جلد جديدة، ربما تكون ضحيتها هذه المرة الناشطة كيندا الخطيب، والتي ما زالت التحقيقات معها تجري على أساس "الشبهة" لا "الاتهام"!

ونأى قسم كبير من اللبنانيين عن الانتساب لـ "حفلة" جلد" كيندا، وتركوا "العدالة تأخذ مجراها". إلا أن إحدى الناشطات "اليساريات" المؤيدات لـ"المقاومة"، لم تتهم كيندا بالعمالة وحسب، بل اتهمت كل من يدافع عنها (حتى لو من بوابة الدفاع عن الثوار المعتقلين)، بالعمالة.

هكذا كرست هذه الناشطة "شريعة الغاب" طالبة "هدر دم العملاء"، والعملاء بالنسبة لها ليسوا من يتهمه القضاء بالعمالة، بل من ترى هي فيهم "معايير العمالة"، فيما ناقضت نفسها عندما هددت كل من يلجأ لقدحها وذمها، بتقديم إخبار بحقه، رغم أنها "ما خلّت ستر مغطى" بكيندا، وهكذا لجأت الناشطة إلى القانون، بعد أن كرّست شريعة الغاب!

وأخطر ما في تهمة العمالة في لبنان، هي أنّ من يرمي بها الآخرين يحسبها تعزيزاً "لوطنيته" هو، فكلما اتهمتَ عدداً أكبر من الناس بالعمالة، كلما سوّلت لك نفسك أنك "ترقيتَ" بوطنيتك أكثر!

والأخطر من كل مواقف هذه الناشطة، والتي استدعت حملة استنكار واسعة لكلامها ولنهجها التخويني، الأخطر من كل هذا هو النهج الذي أصبح مكرساً في الشارع اللبناني، فبعض اليساريين من فئة الميالين لحزب الله، من بوابة "المقاومة"، يعتبرون أن كل من يطالب بنزع سلاح حزب الله "عميل اسرائيلي".

إلا أن الاتهام بالعمالة ليس حكراً على مناصري المقاومة، ففي كل الشوارع اللبنانية هناك من "ينظّر" بالعمالة، وإذا كان المقربون من حزب الله يرون أن العمالة هي "لاسرائيل"، فالباقون يتهمون الشوارع الأخرى بالعمالة لإيران، وهناك شوارع تتهم بالعمالة لأميركا والسعودية وغيرهما، وربما تنضم الصين قريباً إلى نادي العمالة!

فهل أصبح اللبنانيون "موزعي" صكوك للوطنية والعمالة؟ وماذا عن دولة القانون إذاً؟ وألا يرى "الناشطون" من فئة "هادري دماء" من لا يوافقهم في الرأي، أن غياب العدالة، وكثرة التهم العشوائية بالعمالة، لا يوصلون سوى إلى "حمّام دم"؟

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.