خاص "الرقيب": ديوان المحاسبة يحيل وزير السياحة إلى المحاكمة!

كشفت معلومات خاصة لـ"الرقيب" أن ديوان المحاسبة أحال وزير السياحة أواديس كيدانيان إلى المحاكمة أمامه، بسبب مخالفات مالية.

واتخذت الغرفة الثامنة في ديوان المحاسبة برئاسة القاضي خالد عكاري وعضوية المستشارين القاضيين فاديا المقنزح رحيم وكلار أبو جنيد، بالأكثرية، قراراً بتأسيس الملف في إطار الرقابة القضائية على الموظفين بشأن مخالفة المرسوم 5500/2019. لكن القاضي عكاري خالف القرار، داعياً إلى محاكمة جميع وزراء السياحة والمدراء العامين في الوزارة المتعاقبين منذ أيلول 2002.

وكانت الغرفة الثامنة في ديوان المحاسبة قد أصدرت القرار استناداً إلى كتاب مراقب عقد النفقات في وزارة السياحة بتاريخ 9 تشرين الأول 2019 إلى ديوان المحاسبة لإجراء الرقابة المسبقة على مشروع قرار يرمي إلى إعطاء جمعية "ليالي أرز تنورين" مساهمة مالية بقيمة 120 مليون ليرة لقاء تنظيمها مهرجانات أرز تنورين عن العام 2017.

وحيث أن المرسوم /5500/ الصادر بتاريخ 29/8/2019 يرعى إعطاء المساهمات المالية للجمعيات وحدد السقف العام للمساهمة بثلثي العجز في موازنة الجمعية، كما حدد السقوف التي تطبق على كل نوع من أنواع الجمعيات الثلاثة: جمعيات القرى والبلدات، الجمعيات الكبرى، الجمعيات الدولية.

وحيث أنه تبيّن من أوراق الملف ومن محضر جلسة استيضاح رئيس دائرة المهرجانات في وزارة السياحة أن "جمعية أرز تنورين"، طالبة المساهمة، تأسست في العام 2016 ما يجعلها غير قابلة للتصنيف إلا في فئة جمعيات القرى والبلدات، وبالتالي فإن سقف المساهمة يكون محدداً بـ15 مليون ليرة لبنانية كحدّ أقصى.

كما أن عقد النفقة المتمثلة بإعطاء المساهمة المطلوبة إنما يخرج عن مفهوم تصريف الأعمال المنصوص عليه في المادة 64 من الفقرة 2 من الدستور نظراً لاستقالة الحكومة.

وبناء على ما تقدّم، يقرر ديون المحاسبة بالأكثرية:

1 ـ عدم الموافقة على مشروع القرار المعروض.

2 ـ تأسيس الملف في إطار الرقابة القضائية على الموظفين بشأن مخالفة المرسوم 5500/2019.

3 ـ إبلاغ هذا القرار إلى كل من وزارة السياحة ـ مراقب عقد النفقات لديها ـ المديرية العامة للشؤون السياحية ـ النيابة العامة لدى الديوان.

ووقع القرار كل من: كاتبة الضبط زينب قشاقش، المستشار فاديا المقنزح رحيم، المستشار كلار أبو جنيد، بينما خالفه رئيس الغرفة الثامنة في ديوان المحاسبة القاضي خالد عكاري

وأحال رئيس ديوان المحاسبة القاضي محمد بدران القرار على المراجع المختصة.

وجاء في حيثيات مخالفة الرئيس خالد العكاري للقرار:

"بعد التدقيق في ملف القضية،

ومع تأييدنا لمضمون قرار الأكثرية كما وللتعليل المعتمد فيه،

إلا أننا خالفنا هذا القرار لكونه اقتصر على الإستناد الى المرسوم 5500/2019  وعلى إثارة المخالفات القانونية لهذا المرسوم فقط بينما كان يقتضي، من وجهة نظرنا، الذهاب أبعد من ذلك وإثارة سائر المخالفات التي ظهرت في الملف والتي تتعلق بالآلية السابقة لإعطاء المساهمات (قرار مجلس الوزراء رقم 51/2002) وليس فقط للآلية الجديدة المحددة في المرسوم المذكور.

فقرار مجلس الوزراء رقم /51/ تاريخ 19/9/2002، الذي كان ينظّم مسألة إعطاء المساهمات الماليّة للجمعيّات السياحيّة، قد اشترط على الجمعيّة التي ترغب بالحصول على هذه المساهمة جملة شروط أهمّها:

  • عدم توخي الربح.
  • إعداد برنامج سنوي بالنشاطات التي تنوي القيام بها.
  • إعداد موازنة سنويّة للنشاطات المذكورة مع بيان مصادر تمويلها وكلفة كل نشاط.
  • تأمين ثلثي الموازنة السنويّة المذكورة.
  • تعيين مراقب داخلي مصنف لدى وزارة الماليّة.
  • تقديم تقرير سنوي عن نشاطاتها وأعمالها وكيفيّة تنفيذ موازنتها السنويّة.
  • تقديم تقرير من قبل المراقب الداخلي لديها حول نشاطاتها ومدى تقيدها بشروط الحصول على المساعدات الماليّة.
  • إثبات كل هذه الأمور في الطلب الذي تتقدّم به من وزارة السياحة للحصول على المساهمة.

و بالإضافة الى هذه الشروط المفروضة على الجمعيّات الراغبة في الحصول على مساهمة من الدولة اللبنانيّة، فقد أوجب القرار 51/2002 على وزارة السياحة جملة موجبات أهمّها إعداد لائحة مفصّلة بالنشاطات السياحيّة التي ترى فائدة عامّة من دعمها (الفقرة 1 من البند أولاً من القرار) ومراقبة نشاط الجمعيات السياحيّة المستفيدة من مساهمات الدولة (الفقرة 5 من البند أولاً) بالإضافة، بداهةً، إلى موجب التثبّت من استيفاء الجمعيّة للشروط الواردة أعلاه كما وإعلامها والمسؤولين فيها أنهم سيتعرّضون للمساءلة عن أي خلل أو تلاعب في طريقة استعمال الأموال العامّة بما فيها حق استرداد هذه الأموال في حال صرفها في غير الوجهة المخصصة لها.

ثم جاء المرسوم رقم /5500/ الذي صدر بتاريخ 29/8/2019 وبات يرعى مسألة إعطاء المساهمات الماليّة للجمعيّات، فأوجب على الجمعيّات ذات الشروط المعدّدة أعلاه (الآلية السابقة الواردة في القرار 51/2002) مع تحديد السقف العام للمساهمة بثلثي العجز في موازنة الجمعيّة، كما حدّد السقوف التي تُطبّق على كل نوع من أنواع الجمعيّات الثلاثة (جمعيّات البلدات والقرى، الجمعيات الكبرى، الجمعيّات الدوليّة) وأورد بعض الأحكام التفصيليّة الإضافيّة.

كما أن المرسوم المذكور قد وضع أيضًا موجبات إضافيّة على عاتق وزارة السياحة كإعداد لائحة تصنيف للجمعيات وتحديد وجهة استعمال المساهمة وتعليق الطلبات الجديدة التي تتقدّم بها الجمعيّات لحين استكمال جميع الإجراءات الرقابيّة.

ومن العودة الى أوراق الملف ومحضر جلسة استيضاح رئيس دائرة المهرجانات في وزارة السياحة السيّد ربيع شداد، وبالإضافة الى المخالفات القانونيّة المذكورة في قرار الأكثرية والمنصبة على المرسوم ٥٥٠٠، فقد تبين حصول جملة مخالفات في السنوات السابقة لأحكام قرار مجلس الوزراء رقم 51/2002 أهمّها:

  • أن وزارة السياحة لم تقم، حتى تاريخه، بإعداد اللائحة المفصّلة بالنشاطات التي ترى فائدة عامّة في دعمها وفقًا لما فَرضه قرار مجلس الوزراء رقم 51/2002 كما أنّها لم تعدّ تصنيفًا رسميًا للجمعيّات السياحيّة وفقًا لما يفرضه المرسوم 5500/2019.
  • أنه لا يوجد لدى وزارة السياحة أي معايير ثابتة يتم على أساسها قبول أو رفض طلبات الجمعيّات وأن القرار في هذا الشأن هو خاضع لإرادة الوزير.
  • أن وزارة السياحة لم تقم بمراقبة نشاط الجمعيّات التي استفادت من مساهمات الدولة اللبنانيّة لعدم توافر الإمكانيّات البشريّة واللوجستيّة لممارسة هذه الرقابة.
  • أن الجمعيّة طالبة المساهمة لم تتقدّم ببرنامجها السنوي ولا بموازنة سنويّة وفقًا لما يشترطه قرار مجلس الوزراء المشار إليه، لأن ما جرى عليه التعامل هو أن يشمل الطلب المعطيات المتعلّقة حصرًا بالمهرجان المطلوب المساهمة فيه دون باقي النشاطات والأعمال.
  • أن الجمعيّة المذكورة لم تتقدّم كذلك بتقرير سنوي عن نشاطاتها وكيفيّة تنفيذ موازنتها بالشكل الذي تفرضه أحكام القرار 51/2002 الذي كان لا يزال ساري التطبيق في حينه.

ينهض مما تقدّم أن وزارة السياحة لم تتقيّد بالموجبات التي فرضها عليها قرار مجلس الوزراء رقم 51/2002 ولا تلك التي فرضها عليها المرسوم رقم 5500/2019؛ وأن الجمعيّة طالبة المساهمة قد خالفت بدورها شروط منحها المساهمة المنصوص عليها في القرار 51/2002 (ومن بعده المرسوم 5500/2019) سيّما في المواقع المشار إليها أعلاه.

أمام هذه المخالفات للأحكام القانونية المنصوص عليها في قرار مجلس الوزراء رقم 51/2002 وتغاضي وزارة السياحة عن تنفيذ الموجبات القانونيّة الملقاة على عاتقها في إدارة هذا المرفق العام سحابة ما يزيد عن سبع عشرة سنة (من تاريخ صدور القرار رقم 51/2002) وبالتالي قيامها بإعطاء مساهمات الى الجمعيات السياحيّة دون وضع تصوّر مسبق للمنفعة العامّة المرتجاة من هذا النوع من النشاطات ودون إجراء أي تصنيف رسمي للجمعيّات ودون وجود معايير موضوعيّة ثابتة لقبول طلب جمعيّة ورفض طلب أخرى ودون ممارسة أي رقابة على الجمعيات التي استفادت من المساهمة و كيفية تنفيذها لبرامجها وموازناتها ودون تحديد وجهة استعمال المساهمة ودون الالتزام بالحد الأقصى للمساهمة وشروط بلوغ هذا الحد الأقصى، وجميع هذه الأمور موجبات مفروضة قانونًا على الوزارة المذكورة، يمسي الإنفاق على المساهمات بشكل عام (بما في ذلك المساهمة موضوع الملف ) إنفاقًا مخالفًا للقانون استمر على مدى سنوات.

ولما كانت المادة 68 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة (المرسوم الاشتراعي 82/83) تجيز إثارة المخالفات عفوًا وبالتالي مباشرة إجراءات الرقابة القضائية بشأنها بصورة مستقلة وبمعزل عن نتائج الرقابة على الحسابات. و بالنظر الى الوضع الدقيق الذي يمر به الوطن، سيما من النواحي المالية والاقتصادية، فإنّنا نرى أن الوضع المذكور بات يحتّم على ديوان المحاسبة أن يمارس إيجابيًا هذه الإجازة الممنوحة له (إثارة المخالفات عفوًا) و بالتالي تأسيس ملف رقابة قضائية بحق وزراء السياحة و المدراء العامين الذين تعاقبوا على سدة الوزارة منذ صدور قرار مجلس الوزراء رقم 51/2002 (أي 19/9/2002)، ليصار إلى إجراء تحقيق متأنٍ في المخالفات المشار إليها و من ثم ترتيب النتائج القانونية بحق المخالفين عند الاقتضاء وفقًا للشروط و الأصول القانونية.

لذا، فقد خالفنا قرار الأكثرية حيث كان يقتضي، برأينا، استكمال القرار المذكور ببند إضافي يقضي بممارسة الرقابة القضائية بشأن مخالفة القرار 51/2002 أولاً، ومن بعده المرسوم 5500 بحق جميع الوزراء والمدراء العامين للوزارة المذكورة المتعاقبين منذ أيلول 2002.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.