كيف تتحقّق المفاهيم الأمنية!

بسّام ضو (*)

يُعتبر الأمن في كل الدول مبدأ سيادي لا مجال فيه للتأويل، وهو أمر رئيسي لكل دولة تحترم سيادتها على كامل ترابها الوطني. وانطلاقًا من الركائز الأمنية في مجال العلوم العسكرية، تتأكد يومًا بعد يوم مقولة نشر ثقافة الأمن بالمفهوم الشامل والذي لا يتجزأ ولا يتشارك في صناعته إلاّ القوى الشرعية، على ما تؤكده القوانين الدولية والمحلية. وفي لبنان يؤكد هذا الأمر قانون الدفاع الوطني وتعديلاته، وهذا قانون مُقّـر في البرلمان اللبناني ومُحال إلى الإدارات الرسمية للتطبيق، ولا حاجة للتذكير بمادتيه الأولى والثانية اللتين تحصران مهمّة الدفاع عن الأرض اللبنانية وسلامتها بواسطة القوى الشرعية فقط.

العلم العسكري يتضمّن مراحل توعية للمواطنين، لأي دولة انتموا، ويسعى ضمن فصوله إلى توعية المواطنين على ما يُعرف بـ"المفاهيم الأمنية". والهدف الرئيسي تعميق وعي الشعوب لدور الأجهزة الأمنية ـ بكافة فروعها ـ في تأمين حماية الوطن ومؤسساته الشرعية والشعب من كل الأخطار، بما فيها: خروقات الحدود وضبطها ـ المحافظة على الأمن الداخلي ـ منع الخروقات من قبل الأعداء ومكافحة العملاء بتطبيق القوانين المرعية الإجراء ـ إضطلاع المواطنين بدور فاعل في المشاركة في الوقاية من كل أنواع الجرائم والأعمال الإرهابية ومكافحتها، لينعم الجميع بعناصر الأمن والسلامة والطمأنينة، لا كما حصل في السابق في منطقة عرسال وما شابها من إختطاف عسكريين وقتلهم، وفرار الإرهابيين. كلها أمور مستهجنة تتحمّل تبعاتها الدولة بكل مسؤوليها ومن دون كيديّة واستنسابية… وكباحث في الأمور الوطنية السياسية، تناقشت مع العديد من الضباط في الجيش الذين تقاعدوا، واتضح لي أنّ أبرز التحديات التي تواجهنا اليوم تتمثّل للأسف في الجهل ببعض المفاهيم، وعدم الدِّقة في استعمالها، وعدم تجدُّد تفسيراتها بما يتطّلبه الموقف العلمي العسكري الوطني. وتبيّن لي من خلال تلك المداخلات، أنّ هناك مصطلحات ومفاهيم وعلوماً عسكرية حديثة تتطّلب التفسير المُحْكَم والمنطقي والعلمي كي يتّم فهمها وتطبيقها وإستيعابها بالشكل الذي يُريده العلم العسكري. وأتوّجه بسؤال إلى من هم في سدّة المسؤولية، وتحديدًا السلطتين التشريعية والتنفيذية: فيما لو طبقّنا تلك العلوم العسكرية، هل كُنا واجهنا هذا النوع من الإرهابيين؟! وبالأحرى كُنّا وفّرنا على الدولة والجيش هذه الصعاب التي مرّت عليهما من خرق للحدود والتطاول على العسكريين وقتلهم!

في أروقة الأمم المتحدة كنت برفقة أحد المناضلين أبحث عن مستندات صدرت عن المجالات الأمنية لِأكتشف تقرير التنمية البشرية للعام 1994، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ويُركز هذا التقرير على "صون الكرامة البشرية وكرامة الإنسان، وتلبية احتياجاته المادية والمعنوية …".

وكباحث في الشؤون السياسية، وبمختلف مندرجاتها، يتأكد لي وبشكل لا يقبل التأويل أنّ الأمن الإنساني يتحقق من خلال التنمية الإقتصادية ـ الإجتماعية ـ السياسية ـ الأمنية، المستدامة، والحكم الرشيد، والمساواة الاجتماعية، وسيادة القانون، وإنعدام التهديد والخوف بكل أشكاله.

كما لاحظت، من خلال محاضرات ألقاها العديد من الباحثين في الشؤون الأمنية"، أنّ الحاجة إلى الأمن ضرورة إنسانية تُميِّز الإنسان على غيره من الكائنات، وتأتي في المرتبة التالية للحاجات البيولوجية وهي الماء والهواء والطعام …". وإنّ حاجات الإنسان البيولوجية قد لا تتأمّن في غياب شعور الأفراد بالأمن والأمان… لِذا إنّ الحاجة إلى توّفُر الأمن الشامل في مختلف جوانب الحياة، الفردية والجماعية، تُعّد ضرورية للغاية وتحتل مكانًا بارزًا ضمن اهتمامات مختلف الجهات السياسية. هذا في الدول التي تحترم نفسها وليس في لبنان، حيث الأمن مُستباح والسيادة منتقصة والدويلات قائمة والسلاح منتشر خلافًا لوثيقة الوفاق الوطني التي نصّت على حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، كما نصّت على جوب أن تكون السيادة تامة وناجزة، ولكن…

تصفحتُ مقالاً لوزير الخارجية الأسبق "السيء الذكر" هنري كسينجر، على ما وصفه المرحوم الرئيس سليمان فرنجية، حيث ورد "إنّ لبنان بلد مثالي لتحقيق المؤمرات، ليس ضده فقط، وإنما ضد كل العالم العربي". ممّا ورد أستنتج أنّ الدولة اللبنانية تمتلك عدة أجهزة أمنية كما في سائر الدول، وكل جهاز يقوم بدوره بفاعلية وقدرة وكفاءة، غير أنّ ما يفقد فاعلية عمل هذه الأجهزة هو عدم وجود مؤسسة مركزية تتولى شؤون التقييم والتحليل النهائي والتنسيق على مستوى السلطة التنفيذية. وبعد طول مناقشات مع متخصّصين، تكوّنت لديّ قناعة أنّ هناك حاجة ماسّة ودائمة لحماية الأمن الوطني والقومي من خلال نوعين من المؤسسات:

  • الأولى: عسكرية تصون الوحدة الوطنية، والتوازن الداخلي، والأمن الاستراتيجي المتصل باستقلال الدولة وحماية حدودها.
  • الثانية: استخباراتية ترعى الأمن السياسي الوقائي، وتسهر على إحباط المؤمرات المحاكة على الشعب والدولة ومؤسساتها الشرعية، أو ضد محيط لبنان.

أمنيًا في لبنان، نحن بحاجة ماسّة لوضع سلسلة من التحسينات التي تبدأ بإعادة تنظيم الهيكل الإداري وإجراء تغيرات بسيطة في أساليب العمل، وتشمل كل تغيير في العمل وفي التنظيم الإداري للجهاز والأفراد. ولا حاجة لتذكير المسؤولين أنّ الأمن خطٌ أحمر والويل لمن يتخطّاه. وأذكرهم بأنّ الأمم المتحدة عرّفت الإصلاح الأمني بأنه "الاستخدام الأمثل والمدروس للسلطة والنفوذ، لتطبيق إجراءات جديدة على النظام الأمني، من أجل تغيير أهدافه وإجراءاته، بهدف تطويره لتحقيق أهدافه الأمنية التي من شأنها المحافظة على الدولة ومؤسساتها وشعبها وحدودها…".

عسانا نتعلّم من الآخرين ونُحافظ على دولتنا ومؤسساتها الشرعية ونعزِّزُها وفقًا للأصول لنبني وطن الأرز لبنان.


(*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.