القضاة ينتصرون: "لأننا والحق أكثرية".. معركتنا الثانية اقتربت

ناتالي اقليموس
«لأننا والحق أكثرية». بهذه القناعة تسلّح قضاة لبنان من بدء نضالهم حتى لحظة إقرار الموازنة ليل أمس، فبعدما حذّروا مراراً ورفعوا الصوت تكراراً لحماية ما تبقى من السلطة القضائية وخطورة استمرار الوضع على حاله، وبعد اعتكافهم أشهر نهاية العام الماضي، ومعاودتهم الاعتكاف منتصف هذا الاسبوع، وافق مجلس النواب على منحهم 3 درجات وأعاد إليهم العطلة القضائية مدة شهر ونصف. وفي هذا السياق يؤكد مصدر قضائي لـ»الجمهورية» أنّ معركة القضاة الثانية لا بد أن تكون بحصر صدور التشكيلات القضائية في مجلس القضاء، بالإضافة الى توسيع مروحة الانتخاب بدلاً من التعيينات في المجلس».

لم تكن القضية مسألة «رمانة» إنما قلوب القضاة «مليانة»، وجسمٌ قضائي برمّته يغلي على درجات متفاوتة، بعض القضاة متشائم، يَعمل بصمت على اعتبار «حكينا لَشبعنا، وكرمالنا لَورا!

الدولة بتاخد منّا لتعطينا من جيبتنا»، فيما البعض الآخر يُواصل عمله من دون أن يفوّت فرصة ليُعبّر عن نقمته، مقتنعاً: «انّ مبدأ التحفّظ يجب فقط أن ينطبق على تعاطي القاضي مع ملفاته، وألا يمنعه من التعبير عن معاناته ونضاله وإلّا سيبقى في دوامة مفرغة».

امّا مجلس القضاء الأعلى فأبقى على شعرة معاوية، ما بين امتصاص ثورة القضاة ودعوتهم للاعتكاف «خَلوا الشباب ينَفسّوا شوي»، وبين الرهان على الحوار مع السلطتين التنفيذية والتشريعية، إذ كثّف اجتماعاته وزياراته للمسؤولين لرفع الغبن عن الجسم القضائي.

مصادر قضائية

«إيه في أمل…». قالها القضاة أمس من «رحيف» قلوبهم وهم يُباركون لبعضهم بالدرجات الثلاث التي أقرّها لهم مجلس النواب، بعدما كانت رواتب موظفي الفئة الاولى وبعض رواتب موظفي الفئة الثانية أعلى من رواتبهم نتيجة القانون رقم 46/2017. في هذا السياق، يعرب مصدر قضائي لـ«الجمهورية» عن تفاؤله، قائلاً: «لا شك انّ ما حصل يصبّ في صالح الجسم القضائي، ونحن لم نُغيّر يوماً في نهجنا أو في لغة التخاطب والمطالبة بحقوق القضاة، لم نلجأ قطعاً للتصعيد أو لرفع النبرة، إعتكفنا فقط لنرفع الصوت ونضع حداً لكل من يحاول المساس باستقلالية القاضي».

ويضيف المصدر: «في أحلك الظروف، تحت القصف والضرب كنّا نحرص على صَون حقوق المواطن، وبقيت المحاكم تقدم إنتاجية عالية، واعتكافنا في اليومين الماضيين لم يكن في إطار استفزاز أحد، فنحن نخاطب السلطات الاخرى من رجل دولة إلى رجل دولة».

ويلفت مصدر قضائي آخر إلى انّ ما حققه القضاة امس ليس إلّا البداية، «وأمامهم درب طويلة من النضال عنوانها تكريس الاستقلالية، من خلال الوصول إلى مشروع قانون تعديل المادة الخامسة من قانون تنظيم القضائي، التي تنصّ على انّ التشكيلات القضائية تصدر عن مجلس القضاء من دون مرسوم وزاري، بالاضافة إلى انتخاب أعضاء مجلس القضاء الاعلى، وفق ما نص عليه الطائف، باستثناء الثلاث الحُكميين. ولكن حتى يومنا هذا لا يُنتخَب سوى اثنين من أعضاء مجلس القضاء الاعلى، (ممثلي محاكم التمييز) وينتخبهم قضاة التمييز، فيما البقية يُعيّنون».

في موازاة ذلك، قال أحد القضاة الذي فضّل عدم ذكر إسمه، لـ«الجمهورية»: «هناك من يحاول بين الفينة والاخرى الإلتفاف على حقوق القاضي ومكتسباته تحت عناوين متعددة، ليعود ويعطيه ما هو بالأصل له ومن جيبه وليس منّة من أحد. لذا، ما حققناه أخيراً هو ثمرة نضال طويل»، مشيراً إلى «انّ الصندوق من الخطوط الحمر للقاضي، كونه يقدّم له التعليم والطبابة، ويؤمّن له حداً أدنى من مقومات العيش، ولكن هناك من يحاول باستمرار تخفيف الموارد التي تغذّيه، على سبيل المثال هناك تحويل حصة صندوق تعاضد القضاة من غرامات السير إلى جهات أخرى، وذلك بعد ولادة قانون السير سنة 2012».

على فوهة بركان

وكان القضاة واصلوا اعتكافهم عن حضور الجلسات قبل ظهر أمس، واجتمعوا في القاعة الكبرى لمحكمة التمييز في الطابق الرابع من قصر العدل، مطالبين بالمحافظة على صندوق تعاضد القضاة، ومنحهم ثلاث درجات. كان من المتوقع أن يبدأ اللقاء عند الواحدة بعد الظهر، تزامناً مع استكمال مجلس النواب مناقشة موازنة العام 2018. مرّ الموعد المحدد وطال الانتظار نحو 50 دقيقة، إنتشر القضاة على مقاعد القاعة، فيما توزّع الصحافيون عن يمين قوس المحكمة وشماله، اما الكاميرات فثُبّتت في وسط القاعة.

وعند الثانية عشرة إلا عشر دقائق دخل اعضاء مجلس القضاء الأعلى. رحّب القاضي فهد بالحضور معتذراً على التأخير، ثم طلب إلقاء النشيد الوطني اللبناني وقوفاً.

بعدها، تحدث فهد واضعاً النقاط على الحروف ومفنّداً معاناة القاضي الذي بات «مصاباً في إستقلاله لدرجة تجعله قلقاً على إحقاق الحق، ومُجبراً على الخروج عن موجب التحفّظ «. وقال: «في محكمة التمييز يتشارك كل أربعة مستشارين غرفة واحدة، وهذا الأمر ينسحب على معظم المحاكم، ليس في أقلام المحاكم لغاية الآن جهاز كومبيوتر واحد».

وأكّد انّ «الإشراف القضائي على سير الانتخابات النيابية هو حاصل لا محالة… ليس القضاء من ينزع من المواطن حقه الدستوري… فالإشراف هو واجب على كل قاض معنيّ به، وهو خارج عن أي مساومة وقائم بمعزل عن أي تطورات من أي نوع كانت».

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.