"الاعتذار" لا يعني "النجاة" بالضرورة… "خط العودة" إلى برلين محفوف بـ"العقدة الشيعية"!

فتات عياد

تبدو الطبقة السياسية في لبنان غارقة في وحول من فساد وإهمال وسوء إدارة، ويكاد لا "يختلط" معها أحد، وإلا ويلتقط "عدوى" فسادها، أو أقله، تتلوث يداه بشيء من "قذارتها".

وبعدما كانت كل السيناريوهات المتوقعة لمصير حكومة الرئيس المكلف مصطفى أديب، تشير إلى أنه لن يدفع من "رصيده" الخاص حتى لو لم ينجح بمهمته الرامية إلى تشكيل "حكومة المَهمة" في لبنان، إذ "لا شيء يخسره الرجل" في حال سقوط المبادرة الفرنسية، عكس الطبقة السياسية "كلا يعني كلا"، التي قد تخسر الفرصة الأخيرة لإنقاذ لبنان ودعم المجتمع الدولي للحكومة الجديدة، إلا أن عقدة "حقيبة المال" قلبت الموازين، وهي قد تجعل السفير أديب لا ينجو من "خِناقها"، حتى لو اعتذر عن تشكيل الحكومة!

70% من الجالية اللبنانية في ألمانيا… هم من الشيعة

وعندما طُرح اسم السفير اللبناني في ألمانيا مصطفى أديب لتولي رئاسة الحكومة الجديدة قبل ساعات فقط من تكليفه، انتشرت صور له على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت بمعظمها صوراً لحركة أمل في كثير من المناسبات واللقاءات الاجتماعية التي يحضرها أديب، حتى ظن البعض للوهلة الأولى أن المرشح على أعلى منصب سني في البلاد، محسوب على الثنائي الشيعي، قبل أن يربطوا بين وجود أغلبية شيعية في الجالية اللبنانية بألمانيا، وضرورة أن يكون بين السفير والجالية علاقات طيبة، وأن يشاركها السفير مناسباتها.

ويبلغ عدد اللبنانيين المقيمين في ألمانيا بحسب المعطيات المتوفرة لدى مكتب الإحصاء الإتحاديّ الألماني حوالي 114000 لبناني، عدا عن آلاف اللبنانيين الذين اكتسبوا الجنسية الألمانية ولا يشملهم الإحصاء.

وتتشكل الجالية هناك من كافة الطوائف والمذاهب والمناطق اللبنانية، إلا أنه يغلب عليها الطابع الشيعي، حيث يقدر الشيعة بحوالي 70 % من أفرادها، ومعظمهم من الجنوب اللبناني.

ويجمع أديب بالجالية اللبنانية في ألمانيا علاقات ممتازة، وينطبق هذا على الجالية الشيعية أيضاً، وليس هذا غريباً على أديب "الدبلوماسي" المعروف بدبلوماسيته وأخلاقه الحسنة وسمعته الطيبة.

وفي وقت بات الحديث فيه عن اعتذار أديب عن التكليف منطقياً أكثر من أي وقت مضى، تزامناً مع تمسك الثنائي الشيعي، حركة أمل وحزب الله بحقيبة المال، ورفضهما لمبدأ المداورة في الحقائب الوزارية، وإصرارهما على أن يسميا وزير المال، تُسرّب أوساط أديب أنه قد يعتذر عن التكليف لأنه "لا يريد أن يتجاوز إرادة ممثلي الطائفة الشيعية"، ولا أن "يدخل في مواجهة معهم". وقد نقل أصدقاء له، قوله "أنا باقٍ على موقفي ولن أكون مطية لكسر ​الطائفة الشيعية​ الكريمة أو ​الطوائف​ الأخرى".

وقراره هذا، وكذلك تسريب سبب اعتذاره عن التكليف، لا يأتيان من طبعه "المسالِم" وحسب، بل ينسحبان أيضاً على حساباته لناحية ضمان "خط الرجعة" إلى برلين، في حال فشلت مساعيه في تشكيل الحكومة!

فأديب الذي قد يعتذر في الساعات القليلة المقبلة عن مهمة التكليف، يحرص على عدم التفريط بمنصبه كسفير لبناني في ألمانيا، في حال لم يتمكن من تشكيل "حكومة المَهمة" في لبنان.

وكي يمارس أديب "مهامه" المعتادة، ويعود لمنصبه في السفارة و"يا دار ما دخلك شر"، لا بد له من الحفاظ على الارتباط الوثيق مع الجالية الشيعية في ألمانيا، ما يحتم عليه تفادي الصدام مع الثنائي الشيعي في لبنان، سيما وأن هذا الصدام قد لا يؤدي بالضرورة إلى ولادة الحكومة.

المواجهة غير مضمونة

ففي حال أصر أديب على تقديم تشكيلته الحكومية كما أعدها هو، وكما تريدها فرنسا، وقرر خوض المواجهة بحكومة "المستقلين" حتى النهاية، ذاهباً بتشكيلته إلى الرئيس ميشال عون، وحتى لو حظيت التشكيلة بموافقة رئيس الجمهورية، فقد تحظى بنعي مجلس النواب لها وتولد ميتة، وذلك بحجة انعدام الميثاقية الشيعية، بما أن النواب الشيعة لن يمنحوها الثقة في حال ظلّت المبادرة الفرنسية مجمّدة، وبقيت "العقدة الشيعية" عصية على الحل!

من هنا، فإن أديب عالق "علقة ما بتفهم"، إذ ويله المبادرة الفرنسية وويله طباعه "الدبلوماسي" وتدويره للزوايا، وكرهه للمواجهة، وويله وزراء الحكومات السابقين، وويله العقدة الشيعية…

وحتى لو عاد أديب أدراجه إلى السفارة الألمانية، في حال سقطت المبادرة الفرنسية في لبنان وفشل أديب في تأليف "حكومة المَهمة"، فإن سفير لبنان في ألمانيا لا يريد للطريق إلى برلين أن تكون محفوفة بـ"العقدة الشيعية"، التي قد "تُعقّد" علاقاته مع الجالية اللبنانية هناك، وتجعله يدفع من رصيده، ثمن مواجهة غير مضمونة النتائج، مع "الثنائية الشيعية"!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.