سواء أحببتَها أم كرهتَها… جوسلين خويري علامة الحرب الفارقة

فتات عياد

لم يخرج اللبنانيون بصيغة واحدة يكتبون فيها حقبة الحرب الأهلية التي حارب فيها الأخ أخيه، وقُتل فيها الناس "على الهوية"، وليس غريباً ألا يجتمع اللبنانيون على كتاب تاريخ موحد يروي تاريخهم الحديث، فكل منهم يرى "مجموعته" على حق، وكل منهم يعتقد أنه كان الرابح في تلك الحرب، وقلة قليلة ربما من اللبنانيين، تقر بأن الأحزاب سخّرت الناس لمشاريعها ومصالحها، فخرج الجميع من الحرب خاسرين، ما عدا "أمراء الحرب"!

والمقاتلون القدامى ما زالوا حتى يومنا هذا "مبجّلين" عند أحزابهم- أقله في خطابات رؤساء الأحزاب- باستثناء كل من "عصى" زعيم حزبه، فأُخرج أو خَرج بمحض إرادته. إلا أن هؤلاء المقاتلين، مكروهون عند أنصار الأحزاب الأخرى، وعند كل ساخط على الحرب. فيما هناك نظرية أخرى، يعتبر أصحابها أن من "قُتل" ومن "قَتل" في الحرب، هما "ضحيتان" على السواء، فرقتهما نيران بندقية، عند متاريس وجبهات تلك الحرب!

وبعد موت المناضلة الكتائبية جوسلين خويري أمس بعد صراع مع المرض، أثير الجدل من جديد حول مفهوم النضال في الحرب، ورغم أن الكثيرين "يجلدون" كل من حمل السلاح بوجه أخيه اللبناني يوماً، إلا أنه عادة ما لا يُعرف من المحاربين القدامى سوى من كانوا قياديين على الجبهات، فيما يكمل الآخرون حياتهم دونما أي مدح لهم أو ذم. وبمعنى آخر، فإنهم لا يوصمون بوصمة تلك الحرب، فيما يوصم القياديون السابقون بتلك الحقبة السوداء من تاريخ لبنان، فيُفرزون "أبطالاً" في عيون مناصري أحزابهم، و"مجرمين" في عيون الخصوم، وكارهي الحرب.

"الريسة" جوسلين!

أما جوسلين خويري، فهي حالة استثنائية، فسواءً أحببتَها أم كرهتَها، فإنه قد لا يختلف أحد على أن خويري تركت علامة فارقة في الحرب الأهلية اللبنانية، كيف لا وهي كانت المرأة الأولى التي شاهدها اللبنانيون تحمل السلاح وتقاتل في المتاريس الأمامية على خطوط التماس في بيروت. فخويري لم تكسر حاجز "السلم" يوم حملت البندقية وحسب، بل كسرت أيضاً حاجز "الذكورية" التي تجعل من الذكر "قائداً" ومن الأنثى "تابعة"، فكانت خويري "قائدة"، بل وكانت "الريسة"!

ومن هنا يكمن الدور الذي لعبته خويري، إذ كانت هي صورة عن المرأة المقاتلة في الحرب، وهي صورة لا تشبه "نساء السّلم" بطبيعة الحال، بل تشبه الحرب نفسها، وتشبه عنفها وجبروتها، فالحرب لا تبقي لا على "أنوثة" ولا على "ذكورة"، بل وأحياناً قد لا تترك لـ"الإنسانية" مكاناً، عندما تُهدر الدماء، وتُقرع طبول الحرب، على مذبح الوطن!

وقبل أن تكون محاربة على الجبهة، كانت خويري ناشطة في مصلحة طلاب الكتائب، وهي الآتية من عائلة محزبة "أباً عن جد"، كانت تدرس الصحافة عندما تركت مقعدها الجامعي، وأخذت لها مقعداً "عسكرياً" على الجبهة، وأصبحت مسؤولة عن "النظاميات" الكتائبيات، إذ كانت حوالي 1000 امرأة في طليعة حزب الكتائب تحت إمرة خويري في أيام الحرب، وهي لم تكن قائدة وحسب، بل مقاتلة شرسة، أصيبت عدة مرات في جبهات قتال عدة، بل وكادت أن تموت.

وبمعزل عن أسباب الحرب وانغماس جميع الأفرقاء فيها كل على طريقته، وكل في الجبهة التي مثّلت قضاياه وقناعته، إلا أن خويري استطاعت أن تقول ببندقيتها أن المرأة تلعب دوراً في كل الساحات، وهي فاعلة في كل المعادلات، ليس فقط في السلم، بل أيضاً في موازين الحرب!

فلسفتها الخاصة للحرب…

وإذا بررت خويري خوضها الحرب بأنها لم تكن تهاجم إلا المسلحين، فإن قتالها لم يكن نابعاً من نضال للحفاظ على الهوية اللبنانية فحسب، بل كانت خويري تغذي نضالها بإيمان ديني جعلها تقاتل وفق مفهومها للخصم، ومفهومها لديانتها المسيحية، ومفهومها للحرب.

وفي هذا السياق  تقول خويري "وزعنا الأناجيل على كل المقاتلين وكانت سهراتنا تدور حول ضرورة أن نكون فعلاً مسيحيين وان نميز بين عمل الدفاع عن النفس وهو حقنا الطبيعي وبين الانسياق لمنطق العنف وإلغاء الآخر وهو ما ترفضه المسيحية رفضاً جذرياً"، هكذا إذاً بررت خويري معركتها مع "الغرباء" على أنها دفاع عن النفس والهوية والأرض.

وإذا كانت خويري تقصد بـ "الغرباء"، الفلسطينيين الذين اشتعلت بينهم وبين حزب الكتائب معارك ضارية، فإن فلسفة خويري لحربها مع الآخرين، تأتي كتبرير للعنف الذي وقع في تلك المعارك، وهو التبرير الذي لم تستطع خويري أن تقنع به نفسها عندما اشتد الصراع المسيحي- المسيحي في 12 آذار عام 1985، يوم حاول كل من ايلي حبيقة ورئيس حزب القوات اللبنانية اليوم، النائب سمير جعجع، السيطرة على قيادة القوات.

إذ تقول خويري في سيرتها الذاتية في كتابها "باحثات"، أن هذا الانقلاب الذي قاده جعجع "كان السبب المباشر لانسحابنا من المؤسسة"، أي لانسحابها من القوات اللبنانية، وذلك "لأسباب عدة وبكلمة واحدة هي روح الفتنة والضغينة التي عمت صفوف المقاتلين والعناصر في الفترة التحضيرية التي سبقت 12 اذار".

إذاً، هي مقاتلة ولكن وفق قناعاتها هي، وفلسفتها هي للحروب، فلم تخضع خويري لزعامة حزبها، كما لم تمشِ "عالعميانة" في "معارك" الحزب، أو "انقساماته"!

وهي أشهر نساء حزب الكتائب خلال حقبات الحرب الأهلية اللبنانية كافة، ولهذا وصفت بـ"أيقونة المقاومة اللبنانية المسيحية"، فيما كرست مسيرتها بعد الحرب هذا اللقب، إذ لم تسعَ جوسلين لا لمنصب حزبي، ولا لمقعد نيابي، بل أكملت بـ"القلم" معركتها نحو لبنان الذي تراه، فتغيّر سلاحها، ولم ينتهِ نضالها.

وتوفيت جوسلين أمس عن عمر ناهز الـ65 عاماً، ولعلّ حياة الصلاة والإيمان التي عاشتها آخر أيام حياتها، تعكس تعطش خويري إلى "سلام"، لم تجده في ساحات الحرب..

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.