الحريري يريد للحكومة أن تعمل "بالمقلوب"… ودياب: "عنزة ولو طارت"!

بعدما بات معروفاً أن البطريرك مار بشارة بطرس الراعي يعمل على إطلاق "مشروع سيادة لبنان"، انهالت الزيارات على البطريرك، ودارت كلها في فلك واحد يرى في هذا المشروع تقويضاً لنفوذ حزب الله في لبنان، وربما تقرّباً من المحور المعاكس لمحور الممانعة وإنعاشاً لأنقاض حلف 14 آذار، ومن هنا تُفهم "حماسة" زائري الصرح البطريركي.

وكان أبرز زوار البطريرك اليوم الرئيس سعد الحريري، الذي وبعد لقائه الراعي في بكركي، كانت له كلمة، قال فيها أن "لبنان اليوم في أسوأ وضع اقتصادي يمكن أن نشهده تاريخياً"، متهماً "الحكومة وهذا العهد بالتفكير بتغيير النظام الاقتصادي اللبناني الحر إلى نظام آخر". متناسياً أن النهج الذي أدير به النظام الاقتصادي طيلة الـ30 عاماً الماضية، هو الذي أوصل البلد إلى حافة الانهيار!

وإذ رأى أنهم "يتهموننا بانتهاج الاقتصاد الريعي وغيره"، اعتبر الحريري أن "السياحة في لبنان كانت في أوجها في العام 2005، قبل استشهاد رفيق الحريري وحتى العام 2010"، و"حين تكون السياحة بخير تكون الزراعة والصناعة والمطار بخير".

والزراعة الصناعة كانتا قائمتان في لبنان، إلا أن هذا لا يلغي أن النظام الريعي قوّض هذين القطاعين الانتاجيين، وهما لو كانا "بخير" فعلاً، لما انهار الاقتصاد اللبناني المرتكز بشكل أساسي على الخدمات والقطاع المصرفي.

ومع هذا، لم ينكر الحريري أنه "يجب علينا أن نتجه نحو الزراعة والصناعة، وهذا أمر جيد جداً وضروري"، لكنه تساءل: "كيف يمكننا أن نقيم صناعة من دون كهرباء؟ وكيف يمكننا أن نقيم زراعة من دون كهرباء؟ كيف يمكننا أن ننقل صناعتنا وزراعتنا من دون طرقات؟ كيف سنصدرها من دون مرافئ أو مطار؟ كيف سيأتي السياح إلى البلد من دون أن نفكر في التطوير؟". وهنا غمز الحريري من قناة حزب الله لناحية دعوة الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله لـ"الجهاد الزراعي"، كما غمز من قناة التيار الوطني الحر لناحية ملف الكهرباء.

وإذ رأى الحريري أن "لبنان اليوم يدفع أثماناً إقليمية لا يجب أن يدفعها، وهذا هو المشكل الأساسي"، اعتبر أن سبب الهجرة والبطالة هو "عدم الاستقرار". وبرأي الحريري فإنه و"لضبط الليرة اللبنانية لا بدّ من خطوات إصلاحية حقيقية"، و"كلما يتأخر العهد والدولة عن ذلك كلما كان الأمر مضراً بالنسبة إلى لبنان، وهذا ما يؤثر على سعر صرف الليرة".

هكذا جزم الحريري بأن مشكلة سعر الصرف متعلقة بالإصلاحات، ونسي أن العملة فقدت قيمتها نتيجة سياسات مالية خاطئة، واستدانة وفائدة مرتفعة على الودائع وفقدان الاستثمارات نتيجة غياب الثقة بالحكم، عدا عن الفساد وتهريب أموال المودعين الكبار إلى الخارج…

التحقيق المالي… والحق على الحكومات؟

أما فيما يتعلق بالتحقيق المالي، تساءل الحريري عن أمر يحسّه "غريباً"، وقال: يريدون وضع التهمة كلها على المصرف المركزي وعلى المصارف، في حين أن الدولة هي التي استدانت 90 مليار. فما الأفضل أن نحقق فيه: من صرف الـ90 مليار أو من أعطى الـ90 مليار؟".

ويبرر الحريري وجهة نظره هذه بالقول "من أعطى هذا المبلغ كان مجبراً على إعطائه لأن الدولة طلبته لصرفه. وسبق أن قدمنا في كتلة المستقبل قانونين في العامين 2006 و2008 بأن يكون هناك تدقيق مالي على الدولة منذ إقرار اتفاق الطائف، ولنقم بهذا التدقيق على كل الوزارات والحكومات التي مرت لأنها هي المسؤولة عن الصرف".

ومرة جديدة غمز من قناة الوطني الحر، قائلاً: "كما أننا يجب أن نجري هذا التدقيق في الكهرباء. ألا تحتاج 46 مليار صرفت على الكهرباء أن يتم التدقيق بها وكيف حصل الهدر في هذا الموضوع؟".

ولم يسلم كلام الحريري من موجة استهزاء على مواقع التواصل الاجتماعي، فسأل المواطنون "أليست حكومات الحريري والحكومات التي  تدور في فلك الحريرية السياسية هي التي طلبت تلك الأموال من مصرف لبنان؟". فيما اعتبر مواطنون آخرون أن الحريري يريد تدقيقاً بـ"المقلوب"، فعِوضَ التدقيق الذي "يكشف كيف ذهبت الحسابات من المصدر وإلى أين ذهبت"، يريد الحريري "التفتيش عن الفاسدين في كل وزارة وكل مكتب فيها، مما يضيع الوقت والجهد ويبطئ عملية المحاسبة".

دياب يرد…

وفي مستهل جلسة الحكومة اليوم، قال دولة الرئيس حسان دياب رداً على نقد الحريري للحكومة: "مع كل خطوة تُقْدِم عليها الحكومة، تزداد الحملات عليها. نرحّب بالانتقاد البنّاء، لأننا مقتنعون أن النقد الموضوعي يصوّب عملنا، ويفيدنا. لكن من المؤسف أن الحملات على الحكومة لا تستند إلى منطق النقد الموضوعي، بل من منطلق "عنزة ولو طارت".

وأضاف الرئيس: "الناس يدركون جيداً أن التسويات السياسية التي كانت تحصل على حساب الدولة والمؤسسات، هي التي تسببت بوصول البلد إلى قعر الهاوية. هناك دائماً خلط بين الدولة وبين السلطة. وكلما أخطأت السلطة، تتحمل الدولة وزر أخطاء السلطة، مع أن الضحية الأولى لكل الأخطاء هي الدولة بمفهومها الحقيقي".

وأكد دياب أن "الدولة ليست هي التي أخطأت بالسياسات المالية التي أوصلت البلد إلى الإنهيار". بل "السلطة هي التي أخطأت". وأضاف: "لذلك، توجّهنا إلى التدقيق بحسابات مصرف لبنان، والتدقيق الجنائي ضمناً، كمحطة أولى"، و"أنا مع توسيع هذا التدقيق ليشمل كل مؤسسات الدولة".

ونوّه دياب إلى أنه "أساساً، التدقيق في مصرف لبنان سيفتح تلقائياً نوافذ وأبواب باتجاه باقي مؤسسات الدولة، وبالتالي، سيؤدي إلى توسيع دائرة المؤسسات التي يشملها التدقيق". و"هذه نقطة أساسية في عملية الإصلاح، والحكومة ماضية بخطواتها الإصلاحية، على الرغم من محاولات تهشيم صورة هذه الإصلاحات".

وعلى صعيد اتهام الحريري للحكومة بأن "لديها نيّة لتغيير النظام الاقتصادي الحر"، نفى دياب هذه النية، لافتاً إلى أن "المشكلة في فهم مفهوم النظام الاقتصادي الحر". فقد "كانت الفوضى الاقتصادية الحرّة هي السائدة في البلد، أو ربما نظام الهدر الحرّ". لذلك، فإن "ما نقوم به مختلف بالشكل والمضمون عن المفهوم الذي كان سائداً".

وانطلاقاً من هذه المقاربة، رأى دياب أن "ما نقوم به هو تصحيح المفهوم والنظام الاقتصادي الحر، لأن ما نعرفه عنه مختلف تماماً عن الفوضى التي كانت سائدة".

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.