بهاء الحريري فاز… لم يفز!

مُنيت انتفاضة 17 تشرين أمس، بخسارة كبيرة في صفوفها، بعد أن أعادت تظاهرة 6 حزيران للبنانيين انقسامهم العامودي، المتمثل بخطابين اثنين لا ثالث بينهما، والخطاب الأول هو الذي لا يرى الدولة قوية دون نزع سلاح حزب الله، والخطاب الثاني يرى بنزع هذا السلاح تهديداً لـ"المقاومة" اللبنانية، وإعلان حرب عليها!

ومن ورّط المنتفضين أمس، وزجّ شعار "تطبيق القرار 1559" في انتفاضتهم، فهو لم يتسبب بإشكالات في الشارع كادت أن تؤدي إلى حرب أهلية وحسب، بل أصاب الانتفاضة بالصميم، وأبعد حتى بين أهلها، المؤيد منهم للسلاح، والرافض له.

ولكن، إذا كان لا بدّ من السؤال عن المستفيد مما حصل، فلا بد من البحث عمّن دسّ شعار نزع سلاح الحزب في الانتفاضة، وهنا لا بد من تذكّر بيان صدر منذ أسابيع عن بهاء الحريري، أعلن فيه أنه "إلى جانب ثورة اللبنانيين اللبنانيات"، كما لم يخفِ دعمه لبعض المنتديات فيها.

وفي البيان نفسه، صوّب الحريري، وهو شقيق الرئيس سعد الحريري الأكبر، صوّب على سلاح حزب الله، محاولاً خرق البيئة السنية من بوابة نقمة قسم كبير منها على ذلك السلاح، وهي نقمة تتذكرها الطائفة، في السابع من أيار من كل عام…

ومنذ أيام، افتتح أتباع بهاء مكتباً لهم في وسط بيروت، كما وقع إشكال في ساحة أبو شاكر بين مناصرين للرجل ومناصرين لأخيه، وكل هذا "الضجيج"، كان "مقدمة" بسيطة لـ"طحشة" كبيرة لرجل الأعمال الذي أراد أن يطرح نفسه زعيماً في الساحة اللبنانية، لكنه كاد للحظة أن يصبح فيها "أمير حرب"!

فما حصل من تبادل للرصاص بين منطقتي بربور والطريق الجديدة أمس، كان سببه مقطع فيديو مرّ مروراً عابراً خلال البث المباشر للقنوات المحلية، وأعاد نشره موقع إخباري تابع لجيري ماهر، المستشار الإعلامي لبهاء الحريري.

هكذا بدا جلياً أن الفتنة كان "نائمة"، لكن هناك من أيقظها بشعار أسقطه على انتفاضة اللبنانيين، ثم أعاد "إنعاش" تلك الفتنة، عندما أعاد نشر فيديو فيه شتيمة لمقام ديني سني.

وتحورت المظاهرة المطلبية إلى ميني حرب سنية-شيعية. وربما اعتقد من خلالها بهاء أنه يعرض "عضلاته" في الساحة السنية، متحدياً أخاه سعد حتى قبل الخصوم، فيثبت بأنه أقوى من أخيه. فهو، وعلى عكس الرئيس سعد الحريري، "يواجه" حزب الله "للآخر"، ويطرح نزع سلاحه كشعار صريح، ويعمل على تجييش الساحات لتسليط الضوء على هذا الشعار كأولوية للمنتفضين، كما يرد على رصاص مناصري الحزب بـ"الرصاص"!

ولم يتنصل خ

 

 

بهاء الدين الحريري من موقعه كأحد أبرز الداعين لتظاهرة 6 حزيران، بل دعا في بيان له اليوم "جميع اللبنانيين إلى التحلي بالوعي والمسؤولية والوقوف خلف الجيش اللبناني، الذي هو الضامن الوحيد للسلم الأهلي في لبنان ومنعاً للإنجرار وراء أبواق الفتنة المتفلتة."

واعتبر أن "الطبقة السياسية الفاسدة قد أقلقها الوعي الذي تمتع به الثوار من حيث إعلانهم الصريح والرافض للسلاح الراعي لمنظومة الفساد و التهريب".

وبرأيه فإن "الغرف السوداء التّابعة للمنظومة سعت لبث الأخبار والإشاعات عن تحرّك 6 حزيران"، بهدف "ثنيِهم عن النّزول إلى ساحة الشّهداء و التشديد على مَطلب حصر السلاح بيد الشرعيّة". ويرى بهاء أن أتباع المنظومة "عمدوا إلى اللجوء إلى لعبتهم المعهودة بالرّكون إلى بث الفتنة المذهبيّة بهدف شد العصب و إرباك الثوّار في مشهدٍ مقيت تجاوز فيه الغوغائيّون كل المواثيق و المقدّسات لدى مكوّنٍ أساس في لبنان بهدف استفزاز شريحة كبيرة من اللبنانيّين وجرّهم إلى مُربّع الفوضى الذي يخدم مشاريعهم الإقليمية".

فاز بهاء في إصابة الانتفاضة الشعبية في الصميم، هي التي عملت  على لجم الطائفية، واستطاعت أن تجمع تحت رايتها لبنانيين من جميع الطوائف، فعمل بهاء على عكس الصورة أمس، وقدم نموذجاً عن حرب طائفية كادت أن تقع، وهو اليوم يسأل عن "الفوضى التي تخدم المشاريع الإقليمية"، فيما اللبنانيون يسألون، "لماذا ينظّر بهاء علينا من بعيد"، و"شو إجانا منّو" بعد أن فرّق بين المنتفضين الموالين للسلاح والرافضين له، وقضى على مظاهر "الوحدة الوطنية" التي تميزت بها الانتفاضة، وأعاد مشهد المتاريس!

فاز الرجل في جولته السياسية الأولى، بإرساء حرب الشوارع، لكنه لم يفز في كسب ود الشارع السني. فالسنة كما غيرهم من الطوائف، لا يريدون، ولا يتمنون، ولا حتى يسعون للحرب، فـ" اللي فيهم مكفيهم"، ولا ينقصهم بعد!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.