عندما وقعت مي في حفرة تيارها…

فتات عياد

يشبه الموقف الذي تعرضت له نائبة رئيس التيار الوطني الحر للشؤون السياسية مي خريش منذ أيام، المثل القائل "حفر حفرة لأخيه ووقع فيها". لكنّ المفارقة هي أنّ مي لم تكن هي من حفر الحفرة، بل حفرها تيارها، وكان كلما أتته فرصة يعمّق الحفر. وها هي خريش تسقط -بعمقٍ- في حفرة تيارها!

بدأت القصة عندما قررت مي مشاركة متابعيها كتاباً على تويتر، من ضمن حملة "كل يوم كتاب"، فاختارت كتاب "الأيام الأخيرة لمحمد" للكاتبة هالة وردي. وهو كتاب محظور في عدة دول عربية، وتعتبره مراجع دينية إسلامية إساءة لرسول المسلمين محمد.

أساءت خريش الاختيار، رغم أنها "حرة" في اختيارها! فهي لم تدرك حساسية الكتاب نفسه، أو خانها تقدير حساسية موقعها السياسي، وإمكانية فهم تغريدتها استفزازاً للإسلام ومشاعر المسلمين. لكن الثابت في حالة خريش، أنها شربت مرارة كأس ازدواجية تيارها!

لسنوات أجّج نواب وإعلاميون وناشطون يدورون في فلك التيار، عنصرية تجاه المسلمين في لبنان، بحجة استرجاع حقوق المسيحيين، وساعدهم إحساسهم بالغبن، نفي مؤسس التيار الرئيس ميشال عون لسنوات إلى فرنسا، ومنعهم طيلة تلك المدة من المشاركة في العمل السياسي، ومن ثمّ محاولات الاقصاء التي تعرّض لها.

يتغنى التيار بحرية الرأي والتعبير، لكن من يخالفه الرأي ترفع عليه دعاوى قضائية، ولا يقصّر بعض إعلامييه من إثارة نعرات طائفية، وهي لا تقدم ولا تؤخر، لكنها تترك خلفها استياءً مسيحياً ومسلماً على السواء، خصوصاً لدى من يطمح بدولة مدنية لا تفرق بين مواطنيها.

أحد الإعلاميين المؤيدين للتيار هدد في إطلالة تلفزيونية قديمة له "بطرد المسلمين من سوريا والعراق وفلسطين ولبنان وإعادتها لأصحابها

الأصليين المسيحيين". هذا الإعلامي نفسه يخشى منح المرأة اللبنانية الجنسية لأولادها، خشية مما يعتبره "تجنيساً" للمسلمين! أما بلدية الحدث فلا تخجل بمنع المسلمين من السكن في نطاقها، حتى لو خالف هذا الإجراء الدستور اللبناني. لكن يحق للتيار ما لا يحق لغيره، هو "يَمنع" لكنه لا "يُمنع"!

ولعلّ العبارة التي أطلقها النائب ماريو عون، عندما اشتعلت حرائق الأحراج في لبنان منذ فترة، سائلاً: "ليش الحرايق ما بتصير إلا بالضيع المسيحية؟"، تظهر كيف يكيل التيار بمكيالين، فهو يتغنى بالعيش المشترك، لكنه يتعاطى مع حادثة أفطرت قلوب اللبنانيين، كأنها "مؤامرة" على المسيحيين، متناسياً اختلاط المناطق ببعضها، ومتناسياً تضامن جميع اللبنانيين يومها، ومفرقاً الشجر بين مسلم ومسيحي!

هذه الازدواجية تجلت في التعاطي مع الحريات، عندما شن التيار حملة لمنع العرض المخصص لفرقة مشروع ليلى في مهرجانات جبيل، وهي فرقة يعتبر البعض أغنياتها إساءة للدين المسيحي، فيما يعتبر البعض الآخر أن أي منع للحريات هو طعن للحرية في صميمها.

في هذه القضية بالذات، شنت خريش هجوماً على الحفل الذي أُلغي تحت الضغط، وازدرت الحريات بقولها: "إلى الجحيم وبئس المصير أنتم وحرية تعبيركم". بل وصل بها التهجم على الحفل بالقول "منعاً لإراقة الدماء…يجب محاكمة لجنة مهرجانات جبيل".

هذه الازدواجية دفعت ثمنها خريش، فهي لا تقبل المس بمعتقداتها، لكنها تتشارك كتاباً يسيء للمسلمين، وذلك أقله في نظر المسلمين! ثم تدافع عن نفسها من منطلق "الحريات"، معيدة نشر تغريدات بررت لها حق الاختيار، باسم الحرية التي سبق أن "استكثرتها" هي على الآخرين.

تغريدة خريش، حرّكت دار الفتوى اللبنانية، فأعربت في بيان عن "أسفها وشجبها" للدعوة لقراءة كتاب اعتبرته ترويجاً ناتجاً عن "خلفيات فكرية

خطيرة على السلم الأهلي والعيش المشترك"، داعية "الجهات المختصة في الدولة إلى وضع حد لمثل هذه الأمور".

أما قاضي بيروت الشرعي السني و عضو المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى الشيخ وائل شبارو، فتقدم بإخبار ضد خريش، طالباً توقيفها، وإحالتها على القضاء الجزائي المختص وإنزال أشد العقوبات في حقها.

إزاء هذا الضغط، تواصلت خريش مع دار الفتوى وشرحت لهم بأنها "لم تقصد الإساءة إلى الرسول". وإذا كان الكتاب يمثل إساءة لأحد فهي حتماً "لا تتبناها".

هذا الكتاب لو تشاركه شخص آخر غير خريش، ربما كانت "بتقطع"، لكن أن تتشاركه نائبة رئيس التيار الوطني الحر، الـ "متحسس" طائفياً، فكيف يقبل التيار لنفسه ما لا يقبله لغيره؟

الإيجابي في هذا كله، هو تضامن أخصام التيار في السياسة، مع مي في حريتها بالتعبير، لأن الحرية "لا تتجزأ". والخطير فيما حصل، هو ختام "القصة" باعتذار. وأياً تكن نية خريش عندما شاركت الكتاب، فهي "حرة" طالما أن حريتها لا تتعدى حرية الآخرين، ولا تتعدى "فعلتها" أكثر من قراءة كتاب!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.