عندما أنصف دياب جنود المعركة!

فتات عياد

إذا كان كل وباء حرباً على البشرية، فإن لكل حربٍ جنودها في المعركة!

وإذا كان لكل معركة أسلحتها، فإن أقوى سلاح يعطى للجنود هو الدعم المعنوي، بإزالة الغبن عن المغبون منهم، وهل أقسى غبناً من قضم الحقوق؟ وهل من إنصاف غير استرجاعها؟

قصّرت الدولة لسنوات بحق القطاع الصحي، بل هي حتى لم تأبه بدقه مراراً ناقوس الخطر، أما الحكومة المستقيلة، فجنت حصادها وحصاد الحكومات التي قبلها، فوقع في عهدها "الانهيار"، إذ كان لا يمر يوم بلا إضراب من هنا واعتصام من هناك، وتارة تهدد محطات الوقود بالإقفال، وطوراً تنذر الأفران بقطع الرغيف عن الناس. الإضرابات لم تنحصر بقطاع واحد، فمن القطاع العام، إلى قطاع النقل، إلى العسكريين المتقاعدين، والمستشفيات… كان لبنان يشهد كل يوم مؤتمراً لقطاع جديد ينزف!

عن الموت على أبواب المستشفيات…

لكن حكومة "الوحدة الوطنية" كانت "بغير كوكب"، وفيما كان الناس يئنون جوعاً بصمت، كانت هي تبحث لها عن مصادر تمويل جديدة، لتسد بها عجز ما جنته أيديها وأيدي سابقاتها من الحكومات، وهو ما لا ذنب للبنانيين به، فذهبت إلى آخر"متنفس" لهم، لتضع عليه الضريبة، ألا وهو تطبيق الواتس أب، فكان الانفجار الشعبي، الذي أطاح بالحكومة!

لطالما كانت الدولة "بخيلة" على القطاع الصحي. وهي إن "أمّنت" للناس أسباب كثيرة للموت، إلا أنها لم تترك لهم سبيلاً للحياة! فهم إن لم يملكوا المال، كانوا يموتون على أبواب المستشفيات!

أما موظفو المستشفيات الحكومية، فكانت إضراباتهم "روتيناً" يومياً في تقارير نشرات الأخبار! فبعضهم ينتظر أشهراً قبل نيل رواتبه، المعاناة تطول!

ولعلّ الحديث عن تجهيز مستشفى البوار الحكومي ومستشفى ضهر الباشق اليوم، أكبر دليل عن إهمال الدولة للقطاع الصحي. ولعلّ حجم التبرعات لهذا القطاع، يكشف بالأرقام حجم التقصير، وهو خير دليل على أن الدولة لم تفعل لهذا القطاع شيئاً، وهو بالكاد كان يعمل!

أما الصدمة فكانت عند مواجهة وباء كورونا، وتحول مستشفى رفيق الحريري لخلية الأزمة، وفيما يقف ممرضون وأطباء في الصفوف الأمامية لعلاج المصابين، كان بقية الموظفين يعتصمون في باحة المستشفى لأنهم لم ينالوا الزيادة -منذ أشهر- على سلسلة الرتب والرواتب!

يمكن القول أن الرئيس حسان دياب استلم "شبه دولة"، فالسابقون من المسؤولين "أكلوها لحماً" و "رميوها عضماً". ورغم أن دياب يعرف أن الدولة "منهكة"، وشبه مفلسة، وقليلة فيها مقومات النهوض، إلا أنه أبى إلا أن يقاوم بالموجود!

المستشفيات الحكومية… أرض المعركة!

أتت الحكومة لتحل الأزمات المالية والاقتصادية المتدفقة عليها من الباب، فأطل وباء كورونا من الشباك، ووسط كثرة "الثغرات" في جدار الدولة، حاولت الحكومة إغلاق نافذة الوباء، والإقفال عليه من حيث أتى، وحاربت بكل طاقتها وما زالت تحارب، وهي أعطت الأولوية في حربها مع الوباء، لقطاع لطالما كان منسياً، واليوم هو وحده "الدواء"، الذي يكافح "الداء"!

ومنذ عدة أيام  قال وزير الصحة العامة حمد حسن تعليقاً على حقوق الموظفين في مستشفى الحريري بأنها محفوظة بالقانون، وأشار إلى أن رئيس الحكومة حسان دياب قال له "بما أنهم من أصحاب الحقوق فلندفع هذا الحق". هذا الوعد، لو كان أُطلق في عهود سابقة، لكان الوعد جرّ الوعد، وكان لينضم لشعار "عالوعد يا كمون"!

لكن رئيس الحكومة أبى إلا أن ينقل البشرى شخصياً للموظفين اليوم، فقام بزيارة لمستشفى رفيق الحريري، وهي أتت بمثابة "جرعة دعم إضافي" حسبما عبّر أحد الموظفين. بدوره، أخبر دياب الحاضرين أنه وقّع الكتاب بشأن ما تبقى من فروقات سلسلة الرتب والرواتب والتي تناهز قيمتها مليار و50 مليون ليرة، بالإضافة إلى 950 مليون ليرة السابقة، وحوّله إلى وزارة المالية، و"سيتقاضى جميع العاملين في المستشفى رواتبهم الجديدة آخر الشهر الحالي". و"هكذا يكون العاملون قد حصلوا على حقوقهم من الدولة".

دياب المؤمن بالدولة "ملجأنا كلنا"، أعاد للدولة هيبتها اليوم من بوابة الحقوق، وعادت المستشفيات الحكومية لتقف في الطليعة، وهي ليست  مؤسسات للدولة فحسب، بل هي اليوم أرض المعركة!

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.