عندما قالت السنديانة الحمراء: طفح الكيل!

ريمون ميشال هنود

 لقد تحدّثت في مقالي السابق عن استمرار قيادة الحزب الشيوعي اللبناني الحاليّة كما السابقة بإحياء حفلات التنظير التي يكمن الشيطان في تفاصيلها المملة، والخالية من دسم التنفيذ العملي على ارض الواقع، على قاعدة العبرة في التنفيذ، وابرزها غضّ الطرف المتعمَّد عن الخرق الفاضح لأحكام الدستور التي لا تنص على اعتماد التوازن الطائفي في وظائف الفئتين الثالثة والرابعة وعدم التضامن مع الناجحين في امتحانات تلك الوظائف، حتى اطلاق سراح وظائفهم من أقبية وكهوف التعصب الديني، مرورًا بعدم التظاهر مع أصحاب عربات الخضار وأكشاك القهوة، ومع أصحاب بسطات البضائع حتى اعادتها الى الأمكنة التي تحضنها على الأرصفة وعلى جوانب الطرقات، وصولاً الى الامتناع عن الاحتجاج على قرارات بعض المجالس البلدية التي أصدرت قوانين تمنع بموجبها تملك فئة من اللبنانيين تنتمي الى طائفة معينة لشقق سكنية في مناطق نفوذها، ضاربة عرض الحائط باحكام القانون اللبناني الذي ينص على أحقية كل لبناني التملك في أي منطقة لبنانية مهما كانت طائفته، ما خلا تملّك الأجانب، وفي ذلك خرق فاضح أيضًا لمقولة الشاعر القومي العربي الياس فرحات، إبن بلدة كفرشيما

كلُّ امرئٍ متمذهبٍ متعصّبِ / هو للغريبِ على القريبِ مساعدُ
إنَّ التعصّبَ للمذاهبِ شرّ ما / أبقى لأمتنا الزمان الفاسدُ

منه لأبناء البلاد مصائبُ / شتّى وللمستعمرينَ فوائدُ

وكلّ هذه الأمور التي وقفت قيادة الحزب الحالية ازاءها موقف المتفرّج ومكتوفة الأيدي، لا تليق أبدًا بنضالات أبطال حزب يُعتبر من أبرز الأحزاب التي يجب أن تعمد الى تحطيم التعصّب الديني والمذهبي والطائفي بمطارق وفؤوس ومعاول عمّالها، كون تلك التجاوزات طائفية ومذهبيّة بامتيازٍ ومن دون منازعٍ.

إنّ قيادتي الحزب الحالية والسابقة لم تكلفا نفسهما عناء واجب العودة المشروعة الى مناطق سبق أن خرجت منها مرغمة لحظة بداية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، كمناطق المتن الشمالي، وكسروان "مسقط رأس مؤسس الحزب فؤاد الشمالي"، وجبيل وجزء من قضاء بعبدا، وبلدة الحدث الواقعة في ذلك القضاء هي مسقط رأس يوسف إبراهيم يزبك أحد مؤسسيه وفيها شارع يحمل اسمه، كما عاد حزبي الكتائب والقوات اللبنانية الى مناطق كانا قد خرجا منها في حقبة بداية تلك الحرب، كما في طرابلس، والكورة وزغرتا، والبترون وعكار وزحلة، وعاليه والشوف ومرجعيون وبنت جبيل. وحريٌّ بي أن أذكّر بأنّ مؤسس الحزب الشيوعي اللبناني هو فؤاد الشمالي في بلدة السهيلة الكسروانية، الواقعة قرب بلدة جعيتا، وبأنّ شاعر الحزب الشيوعي اللبناني، هو الشاعر المعروف الياس أبو شبكة ابن بلدة زوق مكايل الساحلية الكسروانية، وأنّ مؤسس الحركة النقابية اللبنانية هو الياس البواري ابن بلدة طبرجا الكسروانية الساحلية أيضًا. ومن واجبي أن أذكّر أيضًا بأنّ فؤاد الشمالي كان قد حارب الى جانب الثوار السوريين ضمن ثورة سلطان باشا الأطرش ضد قوات الاحتلال الفرنسي، وسُجِنَ في قلعة القدموس الواقعة في جبال العلويين. أما يوسف إبراهيم يزبك فقد شارك أيضًا في تلك الثورة، لكنه سُجِنَ في سجن أميون في عاصمة الكورة، فضلاً عن أنَّ ارتين مادويان كان قد سُجِنَ في سجنٍ يقع ضمن جزيرة أرواد قبالة مدينة طرطوس السورية.

وعندما كنت أطالب المسؤولين عن منظمات الحزب في الجبل الشمالي، أي كسروان والمتن الشمالي وجبيل بالعودة الرسمية المشروعة والمحقة الى تلك المناطق وافتتاح مكاتب حزبية علنية في مدنها، لم تكن دعواتي المتكررة والملحة تلقى آذانًا صاغية، وعندما لجأت الى الأمين العام الأسبق للحزب الدكتور خالد حدادة وطالبته بالتدخل الفوري لإقناع الرافضين بالقبول بذلك، كان جوابه الخارج عن المنطق "اصطفلوا ببعضكم، هذا شأن داخلي، لا صلاحية لي بالتدخل فيه"، مع انه يعلم تمامًا أنّ صلاحيته تتيح له التدخّل. فيا لهذا الجواب الخانع من أمين عام كان قد قال لحظة فوزه بمنصبه عام 2003، نحن الحزب الذي سيحطّم الحواجز الطائفيّة! أما الرفيق حنا غريب فكان خير خلف لخير سلف في هذا الموضوع ولسان حاله، يقول للرفيق خالد، على خطاك سائرون! وعندما يئست من طلبي في تحقيق هذا المبتغى، طالبت مرارًا وتكرارًا بإقامة الندوات، والمحاضرات في منطقة مؤسس الحزب فؤاد الشمالي، كسروان، لتنوير الأجيال الصاعدة فيها، وحتى لتنوير الذين قاتلوا على الجبهات خلال الحرب الأهلية، ضد الجيش العربي السوري، وضد المقاومة الفلسطينية، وضد جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، والذين لا يزالون الى الآن يعتبرون أنّ الفلسطينيين هم من تسبّبوا في اندلاع الحرب الأهلية، وباعوا أرضهم الى اليهود برضاهم، ويعتبرون أنّ أحزاب الجبهة اللبنانية اضطرّت الى الاستعانة بالشيطان الإسرائيلي لمواجهة مشروع إبادة المسيحيين أو تهجيرهم من لبنان في العام 1975، عبر القول لهم بأن معتقداتكم كانت خاطئة. والحزب الشيوعي قادر على إقناعهم بأنهم سلكوا الخيار الخاطئ واعتمدوا على تحليلٍ خاطئ قبل اندلاع الحرب الأهلية، في حال لو أقام المحاضرات والندوات في تلك المنطقة، لأنّ لديه عشرات الكتب والوثائق والأدلّة الدامغة والبراهين، التي تدحض كل تلك المزاعم الواهية، التي غدرت بالكثيرين من أبناء تلك المنطقة وجعلتهم يصدقون تلك الأضاليل. وعندما لم تظهر أي بارقة أمل ولم أرَ أي بصيص نور جعلني أشعر بأن القيمين على حزب السنديانة الحمراء عازمون على خوض غمار معركة محو الأكاذيب، في معتركات الحقيقة، والتي رغم انها جارحة، انما قادرة بجرأتها المعهودة على جعل المرء ينسي كلّ ذكريات الحرب المؤلمة، خصوصًا في منطقة سألني فيها يومًا أحد الشّباب "دخلك الحزب الشيوعي هو حزب إسلامي؟ فأجبته "لا انه حزب بوذي.. وأنت الصادق!".

ونظرًا لنأي الحزب الشيوعي اللبناني بنفسه عن تلبية واجب عبر اقناع تلك الشريحة في اللبنانيين العزيزة على قلوبنا. ونظرًا لأن الحزب بات أسير تنظيراته التي لا تبني سوى قصوراً في الهواء وناطحات كواكب فوق السحاب. ونظرًا لأنه بات أسير وحدته. وبما أنّ أفضل عبارة تستحق أن يطلقها كل عاقل متنور على كل منظر في قيادتي الحزب، "اسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك أستعجب"… أجيز لنفسي، ونيابةً عن الذين قصّروا، في اظهار الحق والحقيقة لتلك الشريحة، بأن أدحض بالوثائق والأدلّة كل تلك المزاعم.

إن الفلسطينيين، وبالتأكيد، لم يبيعوا ارضهم لليهود، لأنّ الاحتلال البريطاني، ومنذ نشوء إتفاقية سايكس بيكو المشؤومة، واطلاق وزير خارجية بريطانيا، أرثر بلفور، وعده الشهير "دولة إسرائيل من الفرات الى النيل"، عمد الى جلب اليهود من أوروبا، وخصوصًا الأشكيناز منهم، أي يهود أوروبا الشرقية، الى فلسطين المحتلة، وأسكنهم في مشاعات الدولة الفلسطينية، وجعلهم يتكاثرون على سكان أصحاب الأرض الأصليين، ما سهّل حدوث النكبة، وأنّ الذين باعوا أراضيهم من الفلسطينيين، تصل نسبتهم الى 2% ومعظمهم من الأغنياء الفلسطينيين، وهنالك 2% من اللبنانيين باعوا أراضيهم التي ملكوها في فلسطين الى اليهود، واحتفظ لنفسي ومنعًا للإحراج عن ذكر أسماء عائلاتهم، وهذه المعلومات واردة في كتاب سمسار يهودي باع أراضي الفلسطينيين. فضلاً عن أنّ الجيش الصهيوني وعصابات الأرغون والشتيرن عمدوا الى تسميم مياه الشفة في مدينتي عكا وحيفا بفيروسَي الديسنتيريا والتيفوئيد لحظة بداية وحشية النكبة، ما أدّى الى استشهاد مئات الفلسطينيين، قبل أن يشرعوا في دكّ المدنيين بالمدفعية الثقيلة وتهجيرهم باتجاه لبنان، وهذا ما ورد في آخر وثائق الصليب الأحمر.

كما أنّ تلك الشريحة من اللبنانيين مدعوةً الى معرفة بأنّ مشروع تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، وعلى قاعدة حل الدولتين، والتي تجاهر قوى 14 آذار بالإيمان بها اليوم، كحلٍّ عادلٍ للقضية الفلسطينية، وكحلٍّ كفيلٍ يكفل إنهاء الصراع العربي- الصهيوني، منح الدولة الفلسطينية مساحة 11000 كلم2. لكن ما يدل على عدم رغبة الأمم المتحدة في سلامٍ عادل وشامل، وعلى رغبتها في دعم أخطر كيان استيطاني دموي توسعي على وجه المستديرة، هو وضعها مدينة القدس تحت وصاية دولية، عوضًا عن اعلان القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، فضلاً عن أنّ الكيان التلمودي الغاصب، وتعبيرًا منه عن رفضه للمشروع، عمد الى اغتيال الوسيط الدولي، الكونت برنادوت، المكلّف الاشراف على انجاز عملية التقسيم، كتعبير من القيمين على دولة الاغتصاب، عن رفضهم التام للقرار الصادر عن الأمم المتحدة، وعن عزمهم الشديد، بإقناع الجميع بأنّ الهدف الحقيقيّ من حدوث النكبة عام 1948، هو جعل فلسطين المحتلة بمثابة بوابة العبور الأولى، التي تتيح لعواصم الإستعمار ولوج كافة الأقطار العربية لنهب مقدراتها وثرواتها من ذهب واسود وغاز وغيرهما، وكل ذلك على قاعدة فكرة إسرائيل الأسطورية، التي تبنّاها الغزاة الانكليز الأوائل "الطهريين"، والقائمة على ثلاثة عناصر وهي: احتلال أرض الغير، واستبدال سكانها بسكان غرباء، واستبدال ثقافتها وتاريخها بثقافة المحتلين الغرباء وتاريخهم. وكل ذلك على قاعدة، المعنى الإسرائيلي لأميركا، وعقيدة الاختيار الإلهي والتفوّق العرقي والثقافي، والدور الخلاص للعالم وقدرة التوسع اللا نهائي، وحقّ التضحية بالآخر.

من هنا وبعد فشل مشروع الأمم المتحدة والذي ولد ميتًا بالأساس برضاها، تثبت صحة مقولة الرئيس جمال عبد الناصر، بأنّ أحدًا عندما يأخذ منك شيئًا تملكه عنوةً أي بالقوة، لا يمكن بتاتًا أن يعيده اليك بالسلام، ان بكامل مساحته، او بنصفها، او بربعها.

اما قصة الاستعانة بالشيطان الإسرائيلي، لمواجهة الخطر الفلسطيني الذي كان يريد، حسب تعبير القوى العسكرية المسيحية التي كانت حاكمة بأمرها، وحسب تعبير كل من لا يزال حتى اليوم مقتنعًا بذلك ورافضًا الاقتناع بعدم صوابية معتقداته، أقول له، نيابةً عن قيادتين في الحزب رفضتا إقامة الندوات والمحاضرات في صروح العلم وفي الأندية الثقافية وفي القاعات التابعة للأديرة في محافظة الجبل الشمالي، بأنّ استعانة أحزاب وقوى المارونية السياسية بما اسموه الشيطان الإسرائيلي لم تبدأ في العام 1975، انما بدأت في العام 1936، إبّان الاحتلال الفرنسي للبنان مع مجموعة الفينيقيين الجدد التي كانت تمثل آنذاك الوجدان الماروني، وخصوصًا في جبل لبنان، اذ ان الرئيس اميل اده  (عضو تلك المجموعة التي ضمّت في صفوفها حينها: فؤاد الخوري، شارل قرم، ادوار حنين، سعيد عقل، البير نقاش، ميشال شيحا) زار باريس عام 1936، والتقى بأول رئيس للكيان الصهيوني حاييم وايزمان، وافتتح اللقاء بالقول له، أهنئك يا مستر وايزمان، لأنّك ستكون أول رئيس للدولة اليهودية المقبلة، وذلك قبل 12 عامًا من حدوث نكبة فلسطين (كتاب صلات بلا وصل للمؤرخ فوّاز طرابلسي صفحة 261).

كما أنّ مطران بيروت للموارنة حينها اغناطيوس مبارك، كان قد خطب في الكنيس اليهودي الكائن في منطقة وادي أبو جميل في بيروت في شهر آذار من العام 1937 امام الجموع قائلاً: آن الأوان أن يتعلّم الموارنة من أخطائهم، كما تعلم اليهود من أخطائهم، من هنا يجب أن تكون فلسطين وطنًا قوميًا لليهود، كما يجب أن يكون لبنان وطنًا قوميًا للمسيحيين، وانّ تعريف لبنان وفلسطين على انهما بلدان عربيان ما هو الا انكار للتاريخ" (الكتاب عينه صفحة 263).

لكنّ بكركي ليست فقط البطريرك عريضة والمطران اغناطيوس مبارك، بل هي أيضًا وأيضًا البطريرك معوشي والبطريرك خريش اللذان ناصرا القضية الفلسطينية بقوةٍ، وهي أيضًا بكركي المطران خليل ابي نادر الذي ثمّن نضال الرئيس حافظ الأسد ضد المشروع الأميركي الصهيوني.

لذا فإنّ استعانة المارونية السياسية حينها بالشيطان الإسرائيلي، التي كانت قبل نيل لبنان استقلاله وقبل انفجار الحرب الأهلية في العام 1975 بــ 38 عامًا، لم تكن خوفًا من الإسلام، انما تذرّع البعض من أعضاء مجموعة الفينيقيين الجدد بذلك. كانت من أجل بناء شعبية مارونية كبيرة تولد من رحم أضاليل واهية، والسبب الحقيقي لتلك الاستعانة، هو حفاظ تلك المجموعة على مصالح المغتربين الموارنة الذين جمعوا ثروات طائلة في بلدان اميركا وكندا واستراليا وفرنسا وبريطانيا، وبعض الدول الأفريقية التي كانت تستعمرها فرنسا، وكل تلك الدول دعمت نشوء الكيان الصهيوني عام 1948.

وبما أنّ للاغتراب الماروني مصالحه المادية مع دول الغرب، وفرنسا إحدى تلك الدول، فقد كان على المارونية السياسية واجب الحفاظ على مصالح فرنسا في لبنان في كافة الصعد، وخصوصًا ان ارسالياتها تواجدت في ربوعه منذ أواخر القرن التاسع عشر.

من هنا، وعندما منحت فرنسا الامتيازات السياسية للطائفة المارونية قبل انسحابها من لبنان بفترةٍ وجيزة إكرامًا للمصالح المتبادلة، وبما أنّ الطوائف الأخرى رفضت تلك الامتيازات لأنها اعتبرت أنّ الإجحاف والغبن والإحباط قد لحقوا بها، وُلد الانفجار من رحم الكبت في العام 1975 واندلعت الحرب الأهلية.

وبما أنّ أحزاب المارونية السياسية اعتبرت أنّ الخطر الأكبر على مصالحها مع الغرب ومصالح الغرب معها، يأتي من المعسكر الإشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، والقومية العربية المدعومة سوفيتيًا بقيادة الرئيسين جمال عبد الناصر وحافظ الأسد في ما بعد، وكِلا المعسكرين مناهضين للمعسكر الرأسمالي الذي تنتمي اليه تلك الأحزاب للأسباب المذكورة أعلاه، استمرّت تلك المصالح أيضًا مع أحزاب الكتائب والوطنيين الأحرار، وحراس الأرز، والتيار الوطني الحر، والذي استمات عسكريًا في الدفاع عن صيغة 1943 منذ أيلول 1988 حتى 13 تشرين الأول 1990، وعمد أنصاره الى مقاطعة الانتخابات النيابية في دورات 1992 و 1996 و2000 معتبرًا بأنّ المقاطعة هي بسبب استمرار الوجود العسكري السوري في لبنان، لكن المقاطعة كانت ضمنيًا تهدف الى عدم منح الموارنة في جبل لبنان شرعية برلمانية لدستور اتفاق الطائف، الذي أطاح بدستور 1943 بدعم عسكري سوري في 13 تشرين الأول عام 1990، وبمباركة فاتيكانية فرنسية أميركية، بعدما أيقنت تلك الدول الثلاث أنّ حلفاءها خسروا الحرب الأهلية في لبنان امام سوريا وحلفائها، وقد أتت خسارتهم عقب دعم دمشق لعملية تحرير بيروت والجبل وصيدا والنبطية في الأعوام 1982 و1983 و1985، من قوات الإحتلال الصهيوني، وعقب دعمها لانتفاضة 6 شباط  1984 والتي أسقطت إتفاقية 17 أيار 1983 المبرمة حينها بين رئيس الجمهورية أمين الجميل وبين الكيان الصهيوني، وعقب اضطرار واشنطن الى القبول بالمرشح ميخائيل الضاهر المدعوم بقوّة من دمشق كرئيسٍ للجمهورية في العام 1988، لأنها اقتنعت بأن منحها لحلفائها في لبنان مهلة 13 عامًا للخروج منتصرين من الحرب الأهلية، كانت مهلة كافية، لا يمكن التمديد لها، ولأنّ لواشنطن مصالح اقتصادية مع المملكة العربية السعودية.

ولا يجب تناسي أنّ تلك الأحزاب تكلّمت كثيرًا عن رغبة الفريق المناوئ لها في لبنان بتوطين الفلسطينيين في ربوعه، وهذا بالطبع غير صحيح، لأنّ الأحزاب الوطنية ما زالت الى الآن تناضل مع حزب الله بدعم من دمشق وموسكو وطهران لإعادة الفلسطينيين الى ارضهم، وكان يمكن لتلك الأحزاب حينها أن تسأل نفسها، كيف أجيز لنفسي التحدث عن نية المسلمين والقوى اليسارية في توطين الفلسطينيين، والرئيس كميل شمعون كان قد منح معظم الفلسطينيين المسيحيين القاطنين في مخيّم الضبية الكائن على ساحل المتن الشمالي، الجنسية اللبنانية؟! لذا من يكون قد شرع في التوطين؟! علمًا أنّ الرئيس شمعون كان قد استعان بالشيطان الإسرائيلي أيضًا عام 1958، أي قبل العام 1975 بــ 17 عامًا، عندما طلب من قائد الجبهة الشمالية للكيان الصهيوني آنذاك اسحق رابين، إبان أحداث 1958، حمولة شاحنة من 500 بندقية هجومية، وقد حصل عليها من أجل التصدّي لمناصري مشروع الوحدة العربية في بيروت بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، ومن أجل التمديد لولايته أيضًا، وهو كان منضويًا في حلف بغداد أيزنهاور الموالي لواشنطن (كتاب اسرار حرب لبنان ـ ألن مينارغ الجزء الأول صفحة 68).

وللتذكير فقط، فإنّ عضو مجموعة الفينيقيين الجدد البير نقاش، كان قد قال للناشط الصهيوني إيلياهو ايلات الذي أتى الى لبنان عام 1936 لإكمال دراسته في الجامعة الأميركية، وتعبيرًا منه عن رغبة المارونية السياسية، في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والتجارية مع الغرب، بأن الخطر الأكبر يتمثّل في أن تقرر فرنسا منح سورية استقلالها، فيتشجّع مسلمو لبنان ومعهم الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس في المطالبة باستقلال لبنان، ما سوف يجرّ الويلات على الموارنة كأقليّة وسط أكثرية مسلمة! (كتاب صلات بلا وصل للمؤرخ فوّاز طرابلسي صفحة 262).

كما انّ نقّاش نفسه كان قد طرح مشروع بناء سدّ على نهر الليطاني يسمح باستغلال مياهه لإيفاء حاجات لبنان والكيان الصهيوني الى الريّ والكهرباء، ليكون ذلك فاتحة تعاون صناعي وزراعي واسع بين لبنان والكيان الصهيوني. لكن مشروعه لم يثمر، اذ اصطدم بفيتو فرنسي، توجّس من أن يجني ذلك المشروع في حال أُنجز مكاسب لصالح الطرف البريطاني. (الكتاب عينه صفحة 260).

كما انّ ميشال شيحا، عضو المجموعة نفسها، كان قد قال في كتاباته عن الشيوعيّة في تراتيل كنيسة أحاديث يوم الأحد، وهي كنيسة انجيلية معروفة بولائها للسياسات الأميركية البريطانية: "هل يُعقل أن يكون ثمة خطر أدهى من خطر الموت؟ لو قيّض للشيوعيّة أن تصير أدهى خطرًا من الموت عشر مرات لظللت أناضلها مفضلًا الموت دفاعًا عن أفكاري على الانحناء أمامها".

وكلام شيحا دليل على أنّ الموارنة في جبل لبنان والوا سياسات الغرب، نظرًا لارتباط مصالحهم التجارية والاقتصادية والثقافية ببلدانه، وتهجّم شيحا العنيف على الشيوعيّة أتى من قبيل ذعره الحاد من المعسكر الإشتراكي المعادي للمعسكر الرأسمالي.

كيف أمحّض ولائي لقيادة منحت صمتها علامة رضاها لقرار وزير الداخليّة الأسبق نهاد المشنوق الذي استمتع بوضع لائحة مدوّن عليها قيمة محاضر ضبط ضد كل من يخالف قوانين السير، تصل بعضها الى ملايين الليرات.

وعلاوة على ذلك، فإذا انبرى جريءٌ وقال عن قياديي الحزب الشيوعي اللبناني، الحاليين والسابقين، بأنهم مجموعة منظرين، يكون الجواب دومًا لمن يشكو ويعترض، "أنت مخرّب، أو مهووس، أو فصاميّ، أو مضطرب نفسيًا"!

لكن كيف يمكن لمضطرب نفسيًا أن يكون على هذه الدرجة من الوعي عندما يلمس لمس اليد ويرى بالعين المجرّدة وبالجرم المشهود، كيف أنّ حزبًا شيوعيًا يتقاعس عن القيام بواجباته عبر عدم محاربته قوانين تعمد الى اختلاس الإنسان الفقير بكل برودة أعصاب؟

وكيف يمكن لمضطرب نفسيًا، أن يتكلّم بكل ثقة بالنفس زاخرة بتوازن عقلي ونفسي، عندما يرى أنّ قيادة حزب شيوعي لا تعتصم مع الخائفين من أن يفتك بهم داء السرطان الآتي من خطوط التوتر العالي، في منطقة عين سعادة وعين نجم والمنصوريّة والديشونية في قضاء المتن الشمالي؟

كيف يمكن لحزب الشيوعي أن يستحوذ على احترام الناس وهو لا يتضامن مع كل صاحب حق في كل المدن والمناطق اللبنانية من دون استثناء؟!

اين هي التظاهرات والاعتصامات المفتوحة التي كان ينبغي على قيادتي الحزب السابقة والحالية، القيام بها من أجل إطلاق سراح قانون الزواج المدني الإختياري من كهوف الصروح الدينية، التي تحتجزه رغم علم القيمين عليها بأن الأديان تدعو الى المحبة والتآخي بين الشعوب؟

لكن إزاء تقصير الحزب الشيوعي بواجبه تجاه هذا الموضوع بالذات، وهو من أبرز الأحزاب المؤمنة بضرورة إقرار هذا القانون في وطن الارز العربي، ما عساي أن أقول للمنظرين فيه سوى لا حياة لمن ننادي.

إن سياسات الإفقار والتجويع التي وعدت المساكين بالبحبوحة افرغت جيوب الكادحين من القروش البيضاء المخبّأة للأيام السوداء، فلم يعد بمقدور الشاب اللبناني أن يجني قرشًا أبيضًا يخبّئه ليومٍ أسود، ومنذ عقد ونصف من الزمن والأيامٍ السوداء الحالكة جعلتنا نعيش بين مطرقة الظلم وسندان الإفقار والجوع الكافر.

من هنا، كان على قيادتي الحزب أن تعلنا أنّ مكانهما الطبيعي هو دائمًا وأبدًا في الساحات والشوارع، لأن الإستمرار لأشهر وسنين متواصلة في عشق النضال هو من يعيد الاعتبار الى سُنّة الحياة المستمرة بالتعرض للتحقير والإهانات على يد مجوّعي الإنسان اللبناني في الداخل اللبناني وعلى مجوّعيه القاطنين في عاصمة السوبرمان الكائنة خلف الأطلسي والساعية الى إستعمارنا مجددًا عبر سايكس بيكو جديد.

إن مشكلة المنظر تكمن بأنه يستمتع في رؤية النصف الفارغ من الكوب عوضًا عن رؤيته للنصف الملآن منه، لأنه رجل متشائم يدّعي التفاؤل، والمتشائم إن بقي على ما هو عليه من تشاؤم يمسي الصديق الوفي للامبالي.

من هنا لم يعد يعقل بعد اليوم الى نصدق منظرًا يصرّ على أن العربة هي التي تجرّ الحصان؟ إن دموع المناضلين الذين يحققون الإنتصارات والإنجازات هي دموع الفرح بينما المنظّرين الذين يعجزون عن تحقيق أيّ نضال يذكر، دموعهم دموع تماسيح.

نعم لقد طفح الكيل، لقد سمعت السنديانة الحمراء تقول ذلك.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.