الانتخابات الفرعية في طرابلس: "مغامرون" بمواجهة "جحافل"!

نجح رئيس الحكومة سعد الحريري في إعطاء الانتخابات الفرعية في طرابلس بعض الزخم، ولكن داخل تيار "المستقبل" فقط. فالمدينة، التي شهدت ضجيجاً انتخابياً مفتعلاً خلال الأيام الماضية، بقيت في حالة ركود انتخابي غريب، ولا مبالاة نافرة، وإدارة ظهر شبه كاملة لمعركة "المستقبل" الذي وضع نفسه في تحدٍّ مع نفسه!

جولة الرئيس الحريري شملت معظم قيادات طرابلس وفعالياتها الحالية والسابقة من مختلف الدرجات وفي مختلف المواقع، باستثناء النائب فيصل كرامي و"جمعية المشاريع" وكذلك "الجماعة الإسلامية" على الرغم من انضمامها إلى التحالف المؤيد لمرشحة الرئيس الحريري ديما جمالي، وكان هدفها استنفار الحلفاء ليؤمنوا التغطية الكافية لهذه الانتخابات الفرعية، وعلى قاعدة أن تراجع نسبة الاقتراع ستشكل نكسة كبيرة تقارب حدود الهزيمة السياسية في مواجهة حالة الاعتراض الشديدة في طرابلس والتي تجاوزت المرشّحة جمالي إلى اعتراضات على الرئيس الحريري نفسه، وهذا ما ظهر في الفيديوهات التي انتشرت بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي وتضمّنت انتقادات مباشرة إلى رئيس الحكومة بعد صلاة الجمعة في مسجد السلام في طرابلس.

منطقياً، إطمأن الرئيس الحريري إلى أن مقعد ديما جمالي سيعود إليها، وربما اطمأن أيضاً إلى "توريط" باقي القوى السياسية بالمشاركة في هذه الانتخابات، بعد أن أحرجهم بجولته عليهم وتصريحاته التي اعترفت بحيثية كل منهم…

لكن، هل يكفي ذلك لتأمين نسبة مرتفعة من الأصوات التي ستحصدها جمالي في ظل هذه "الجاروفة" السياسية؟

لا أحد يملك معرفة ما في الصدور، خصوصاً أن لا مؤشرات واضحة حول التزام مؤيدي هذه القوى بقرار التصويت لصالح جمالي. ولذلك، فإن رفع نسبة الاقتراع قد يكون في هذه الحالة سيفاً ذا حدّين، إذ لا ضمانة مريحة إلى أن ارتفاع هذه النسبة ستصبّ كلها في صالح المرشحة جمالي. وهذا ما يتحسّب له قياديو تيار "المستقبل"، ويخشونه، خصوصاً إذا تزامن حصول "تصويت سلبي" مع "تمرّد" مجموعات من الناخبين على قرارات مرجعياتهم السياسية، بحيث تذهب الأصوات إلى أحد المرشّحين الثلاثة المنافسين: النائب السابق مصباح الأحدب، المهندس يحي مولود، والزميل عمر السيّد. إذ ذاك، يصبح فوز جمالي هزيلاً جداً، وتتكرّر ردة الفعل نفسها التي حصلت في الانتخابات البلدية عندما تحالفت كل هذه القوى آنذاك بمواجهة اللواء أشرف ريفي، وهو ما استفزّ الناخبين، فانكفأ القسم الأكبر منهم وصوّت قسم آخر بمنطق النكاية، وهو ما أدى إلى خسارة مدوية لذلك التحالف العريض.

على الأرجح، لن تظهر مؤشرات فعلية لنتائج جولة الرئيس الحريري في طرابلس، والتي شملت أيضاً بلدة القلمون واستثنت بلدة البداوي التابعتين انتخابياً لطرابلس، إلا يوم الانتخاب، حيث سيتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود في الحسابات الانتخابية، وينكشف معه مدى انصياع الناخبين لقرارات قياداتهم عبر الإقبال على صناديق الإقتراع والتصويت "زي ما هي" للمرشحة ديما جمالي التي كانت استنجدت أيضاً برئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع لمنحها أصوات القواتيين في طرابلس.

بالتأكيد، فعل تيار "المستقبل" أقصى ما يمكنه، واعطى معركة انتخابية فرعية طابعاً "مصيرياً"، بل وحدّد لنفسه مسبقاً السقف الذي يجعله رابحاً أو خاسراً، من خلال خوضه معركة نسبة الاقتراع.

كل "المستقبل" جاء إلى طرابلس من أجل ديما جمالي… ومعظم قيادات طرابلس استنفرت من أجل ديما جمالي… وكل السلطة وأجهزتها وقدراتها مجيّرة لصالح انتخاب ديما جمالي… وهذا ما يجعل من فوز جمالي بالمقعد شبه مضمون أمام مجموعة من المرشحين المغامرين الذين لا يملك بعضهم ثمن "بون بنزين" لعمل الماكينة الانتخابية، ويعجزون عن "توظيف" مندوبين على الصناديق إلا من بعض المتطوعين، وهذا ما جعل هؤلاء المرشحين يخشون حصول تزوير في قراءة نتائج التصويت في أقلام الاقتراع، وهم يعملون لاستدراك هذا العجز.

هل ما تزال طرابلس تدير ظهرها للانتخابات الفرعية؟

لا أحد يملك الجواب على بعد ساعات من فتح صناديق الاقتراع، وربما تحمل الساعات المقبلة مفاجآت تغيّر في كل الحسابات والمعادلات والقراءات والتكهنات… لكن الأكيد أن يوم الاثنين سيكون يوماً عادياً في طرابلس، ولن تتغيّر أي فاصلة في مدينة تفتقر إلى إشارات ضوئية للسير عند مفاصلها!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.