هل يلجأ "حزب الله" إلى السلاح إذا شعر بتهديد موقعه؟

"فورين بوليسي"
ترجمة
/ ميكال كرانز /

كانت التوقعات كبيرة لخطاب زعيم حزب الله حسن نصر الله عندما ألقى خطابه في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر، الذي جاء بعد أسبوع حافل من الاضطرابات شهدتها المدن اللبنانية، ومواجهات عنف في بيروت، واستقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، ولم يكن لدى زعيم الجماعة المسلحة الكثير ليقوله، ومثل خطابه في 25 تشرين الأول/ أكتوبر، فإن نصر الله شدد على البراغماتية بدلا من المثالية، ووجّه انتقادات شديدة للسياسيين في لبنان، وردد دعواتهم حول ضرورة تشكيل حكومة بشكل سريع بعد رحيل الحريري.

وقال نصر الله "ندعو إلى الحوار بين الأحزاب السياسية والبرلمانيين والقادة الشرفاء للاحتجاجات، يجب علينا تجاوز الجراح التي نشأت في الأسبوعين الماضيين".

بالنسبة لزعيم الحزب، الذي وصف نفسه بأنه في طليعة المقاومة الشعبية اللبنانية على مدى عقود، فإن دعم نصر الله لمؤسسات البلاد الفاسدة قد يبدو غريبا، لكن في الوقت الحالي ـ يكافح الحزب من أجل التكيف مع التغيرات المفاجئة في النظام السياسي حوله وعلى الأرض تحته ـ لم يترك لنفسه إلا خيارات قليلة غير دعم النظام السياسي الحالي، والرهان على امتيازه وقدرته على استبدال العنف بالتهديدات لإبقاء أنصاره داعمين له.

من المؤكد أن الحزب سيكون قادرا على تجاوز العاصفة والحفاظ على موقعه في السياسة اللبنانية، إلا أن استقالة الحريري وضبابية الوضعين السياسي والاجتماعي نتيجة الاحتجاجات، لم يتركا للحزب أي خيار وتسببا بعدم الشعور بالاستقرار.

من خلال حذره وقدرته على صناعة التسويات ونجاحه في صناديق الاقتراع، واستخدام القوة بطريقة مدروسة على مدى العقد ونصف العقد الماضيين، لعب حزب الله دورا مهما في صياغة واقع سياسي في لبنان منحه الاستقرار وفرصة توسيع ترسانته الصاروخية، واستخدام لبنان قاعدة شن من خلالها حربا في سوريا نيابة عن نظام بشار الأسد وإيران، ورغم عدم قدرة الحزب على السيطرة بشكل كامل على لبنان، إلا أنه اندمج به، وأصبح يتعامل مع منافسيه السابقين، مثل الحريري، على أنهم ضمانة حيوية ومهمة للنظام الذي ساعد على تأسيسه.

ولكن الآن، بعد أن قفز الحريري من السفينة، ودعا الرئيس ميشال عون ـ حليف حزب الله ـ لتشكيل حكومة تكنوقراط، أصبح النموذج الذي ساهم حزب الله في تشكيله مهدداً، ويبدو الحزب مدركاً للمخاطر المحتملة للإطار العملياتي الذي عمل على إنشائه. قبل استقالة الحريري في 29 تشرين الأول/ أكتوبر، قام مستشار لحزب الله بالضغط على الحريري، وطلب منه التفكير قبل تقديم استقالته، مخبرا إياه أن التظاهرات تقترب من نهايتها.

ما يريده حزب الله هو وضع مشابه لما كان عليه في السابق"؛ أخبرني العضو السابق في البرلمان مصطفى علوش، وهو عضو في المكتب السياسي لتيار المستقبل الذي يتزعمه الحريري، التحالف نفسه، ربما مع بعض الاختلاف في الأسماء. يعلم الجميع أن إعادة التفاوض على نفس المصطلحات التي اعتادت أن تكون في السنوات الثلاث الماضية لن تنفع مع الناس في الشارع."

يقول أعضاء في تيار المستقبل إن الحريري إنه يجب جرى ترشيحه من جديد لتشكيل الحكومة الجديدة، ولكن مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت مها يحيى قالت إن مثل هذه النتيجة غير محتملة. في حالة وجود حكومة تكنوقراط، فإن ما هو مهم بالنسبة لحزب الله هو إيجاد طرق للحفاظ على نفوذه في مجلس الوزراء، حتى لو اعتمدوا قواعد النظام السابق الذي كان قائماً قبل الثورة.

قالت يحيى: "سوف يتكيفون إلى حد ما. سوف يستخدمون القواعد القديمة، كل ما يهمهم هو حماية مصالحهم، أيا كان في الحكومة. هذا هو خطهم الأحمر. "

المكتب الإعلامي لحزب الله وأعضاء الحزب رفضوا التعليق على هذه القصة.

استناداً إلى تجارب الماضي، فسوف يبذل الحزب كل ما في وسعه كجهة سياسية أكثر نفوذاً في لبنان، للضغط على من يكلف بتشكيل حكومة جديدة، حتى لو كان المقصود منها أن تكون حكومة تكنوقراط، على سبيل المثال المرشحين الذين سوف يلتزمون موقف حزب الله.

من أجل التعامل مع المتظاهرين في الشوارع حاول حزب الله، وفي الوقت نفسه نصر الله، وحركة أمل الشيعية، وهم حلفاء، تقديم دعم محدود وحذر لجهود المتظاهرين. وفي الحقيقة حاولت الحركتان تصوير الاحتجاجات بأنها هدية لهما، وقال مسؤول كبير في حركة أمل طلب عدم الكشف عن هويته إن "هذه المطالب تعد فرصة ذهبية للشيعة"، وفي رده على الهتافات ضد حزبه، قال: "عندما تلعب في السياسة عليك توقع أن تكون هناك معارضة، في بعض الأحيان تتخذ قرارًا لا يحظى بشعبية، ولكن في وقت لاحق يدرك الناس أنه جيد".

مع ذلك، علينا الانتظار ورؤية ما إذا كان الناس سيصلون في نهاية المطاف على الرغم من العنف الذي مارسه عناصر في الحزب ضد بعض المحتجين. التظاهرات يغذّيها وعي وطني جديد غير طائفي اجتاح البلد، وتحدّث الكثير من الشيعة ضد حزب الله وأمل بطرق غير مسبوقة، وردا على ذلك اعتدى أنصار حركة أمل على المتظاهرين في مدينة صور في جنوب لبنان في 19 تشرين الأول/أكتوبر. حوادث مماثلة وقعت في النبطية، معقل حزب الله، في الأسبوع التالي. وقال محمد، ولم يذكر إلا اسمه الأول لأسباب أمنية، والذي شارك في تظاهرات صور، إن أنصار الحزب هددوا المتظاهرين بالسجن أو العقاب بسبب تخليهم عن الحزب.

بعد أيام من هدوء الاحتجاجات في صور، بدا أن هذه لم تكن تهديدات فارغة. اتُهمت السلطات في جنوب لبنان، التي يهيمن عليها حزب الله وحركة أمل، بالتحيز عندما اتهمت 12 شخصًا من صور بارتكاب جرائم تتعلق بالمظاهرات التي صدرت بحقهم أحكام بالسجن لمدة تصل إلى سبع سنوات – لكنها لم تعتقل أيًا من أنصار الأحزاب الذين نفذوا أعمال عنف ضد المتظاهرين. حالات أخرى من الإكراه المحتمل من قبل عناصر حزب ظهرت، بما في ذلك عدد من أشرطة الفيديو من الناس اضطروا إلى الاعتذار عن إهانة نصر الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيس حركة أمل، خلال الاحتجاجات.

وقال الصحفي علي الأمين: "بدأت أمل ونصر الله يشعران بالخطر ولا يمكنهما مواجهة الخطر إلا من خلال العنف". تعرّض الأمين تعرّض لهجوم ممن يشتبه في أنهم من أنصار حزب الله بعد أن رشح نفسه ضد حزب الله للحصول على مقعد برلماني في جنوب لبنان العام الماضي. قال الأمين: "هذا سوف يهز الثقة فيهم، مما يؤدي إلى المزيد من المعارضين."

في الأيام القليلة الماضية، حاول حزب الله تصحيح المسار، بما في ذلك عن طريق تذكير الجمهور اللبناني بأن المجموعة قوة مقاومة أولاً وحزب سياسي ثانياً. أعلن حزب الله أنه أطلق النار على طائرة إسرائيلية بدون طيار عبرت المجال الجوي اللبناني في 31 تشرين الأول/أكتوبر، وأنهى نصر الله خطابه متفاخراً بالحادث.

وفقًا لنيكولاس بلانفورد من "المجلس الأطلسي"، فقد واجه حزب الله صعوبة في الحفاظ على صورته المقاومة في ظل مشاركته في الحرب السورية، وتورطه في معارك سياسية لبنانية.

لكن فكرة المقاومة ما زالت سائدة بين أجزاء كبيرة من المجتمع الشيعي.

قال المتظاهر عباس حيدر في بيروت في 19 تشرين الأول/أكتوبر، خلال الأيام الأولى للاحتجاجات: "يجب على حزب الله، كحكومة، المغادرة. لكن المقاومة ضد إسرائيل، بالطبع لا".

يعتقد علي الأمين أن الاحتجاجات في لبنان التي دفعت الطائفة الشيعية إلى التحرّك لم تكن سوى البداية – ولكن في رأيه، التحولات الاجتماعية التي حدثت حتى الآن هي مؤشرات قوية على أن التغييرات السياسية تنتظر الأمر.

في الوقت الذي يكافح فيه حزب الله من أجل الحفاظ على مكتسباته في الساحة السياسية في السنوات الماضية، من المرجح أن يتلقّى الحزب المزيد من الضربات التي تؤثر على سمعته، خاصة أنه لا يزال يستخدم قواعده القديمة. في النهاية، سيجد حزب الله طريقه كما هو الحال دائمًا، إما عن طريق التكيف مع محيطه الجديد أو إجبار محيطه على التكيّف معه.

انخرطت المجموعة في إجراء توازن دقيق حتى الآن وستستمر في القيام بذلك طالما أنها تعلم أن قوتها لن تتزعزع على المدى الطويل. لكن الواقع السياسي اللبناني يتغير بوتيرة سريعة. إذا ظهرت تهديدات موثوق بها على موقعه السياسي في لبنان، سواء من الطبقة السياسية أو من الشوارع، فلن يتردد حزب الله في إطلاق قوته العسكرية مرة أخرى.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.