عون يواجه "الثقب الأسود".. بـ"لقاح الإيجابية"؟

/ نورما أبو زيد /

بات من باب المؤكّد، أنّ ثقباً أسود اجتذبنا، والإفلات منه يبدو أقرب إلى المستحيل.

ولكن كيف تشكّل هذا الثقب، ومن يتحمّل مسؤولية تشكّله؟

بحسب النظرية النسبية، الثقب الأسود يتشكّل من كتلة مضغوطة بقدر معين. وهذا الثقب يتميّز بجاذبية كبيرة جداً. وأيّ جسم يدخله يفقد السيطرة على نفسه… هذا في الفضاء. أمّا في لبنان، فقد تشكّل الثقب الأسود، جراء السياسات الاقتصادية الإغراقية التي بدأت مع زمن السلم المفترض، وهذا الثقب أخذ في الاتساع مع مرور السنين، وتحوّل تدريجياً إلى ثقب فائق الضخامة. ومثلما لا تسمح ثقوب الفضاء السوداء لأي جسم بالإفلات من سحبها، كذلك هو ثقب لبنان الأسود، لا يسمح لأيّ لبناني بالإفلات من سحبه. ولا شكّ أنّ الرئيس ميشال عون تعيس الحظ بما يكفي، لاضطراره إلى مواجهة الثقب الأسود وجهاً لوجه، رغم انتفاء مسؤوليته عن عملية تشكّله.

فعندما خرج الرئيس عون من الحرب، كانت السفينة اللبنانية بلا ثقوب اقتصادية تُذكر، ولكن من أدار الدفّة، وجّه السفينة نحو مسارات مالية مُهلكة، أحدثت ثقوباً في بدنها. وكثرة الثقوب هذه، تجعلنا نسرع في الانزلاق نحو القعر حيث يضعف الأمل بالعودة إلى التقاط الأنفاس فوق الماء. والأسوأ هو أنّنا في انحدارنا نزولاً، لا نرتطم بقعر البحر، في رحلة عذابات "فريدة" لا تعرف خواتيم نهائية.

وفقاً لمنطق الأمور، جميع اللبنانيين في المركب الكثير الثقوب. حتى الـ 0.1 بالمئة، الذين تعادل ثروتهم مدخول نصف سكان لبنان مجتمعين، غير قادرين على القفز خارج السفينة. ومع ذلك، يرسلون إلى قصر بعبدا من وقت لآخر، موجات سلبية تبدو في ظاهرها مجهولة المصدر، كما لو أنّها رسائل من كائنات فضائية غير معنيّة بما يجري على الأرض اللبنانية.

لم يهنأ الرئيس ميشال عون برئاسته، حتى قبل أن يسلك طريق القصر، لأنّ هناك من تعمّد بثّ موجاته السلبية قبل وخلال وبعد جلسة الانتخاب، ومسلسل الموجات السلبية الآتية من كلّ حدب وصوب ما يزال مستمراً.

فعلى الرغم من الإشارات الإيجابية التي أرسلها الرئيس عون للخارج، من خلال تخصيص المملكة العربية السعودية بأوّل زيارة خارجية، أصرّ الخارج على "خندقته" في محور، وعلى هذا الأساس رفع متاريسه بوجهه.

خرج الرئيس عون منتصراً في كلّ الحروب العلنية التي شنّها الخارج عليه منذ تجاوزه عتبة القصر، وانتصرت معه كرامة لبنان، سيّما في محنة رئيس الحكومة سعد الحريري في الرياض. ولكن ماذا عن "الحروب بالواسطة" التي ينفّذها الداخل بالتقسيط بضغط زر من الخارج؟

يُفترض أنّ عهد الرئيس عون محصّن بجماهيرية مسيحية واسعة، وبقاعدة نيابية كبيرة، وأخرى وزارية متينة، وبتحالفين أساسيين عابرين للطوائف مع الشيعي الأقوى (حزب الله)، والسنّي الأقوى (سعد الحريري). ولكن "كلّ ما دقّ الكوز بالجرة"، يقف "حزب الله" موقف اللامبادر، أمّا الحريري فقد أثبت مراراً وتكراراً، أنّ باستطاعته الانقلاب على العهد بومضة عين، بغضّ النظر عما إذا كان هذا الانقلاب بقناعة أم بأمر خارجي.

وقف إطلاق النار مع الحريري، كان يجب أن يُترجم سلاماً مع "المستقبل" ومع حلفاء "المستقبل" السابقين كـ "الاشتراكي" وبعض مستقلّي "14 آذار"، ولكن هذا لم يحصل.

وعلى ضفة "حزب الله"، تسليف المقاومة مواقف في الداخل والخارج كان يجب أن يُترجم دعماً للعهد من قبل الحزب، ورفعاً للرايات البيض في خنادق رئيس المجلس النيابي نبيه بري، ولكن هذا أيضاً لم يحصل.

أمّا فيما خصّ الضفة المسيحية، سليمان فرنجية الفريد يبدو المنكفىء الوحيد، ويمارس تنسّكاً في "صومعته" الشمالية من النوع القدسي النادر، ربما انطلاقاً من إيمانه الراسخ بأهمية وحدة الصفّ المسيحي. أمّا كلّ الباقين، فينظّرون وينتظرون العهد "عَ الكوع"، وسمير جعجع أوّل المنظّرين المنتظرين.

توصيفاً لهذه المشهديّة غير المريحة العابرة للزعامات والأحزاب والطوائف، فاتح دبلوماسي أحد زواره السياسيين خلال الهجمة الأخيرة على بعبدا بالقول: "كلّما عصفت ريح بالسفينة اللبنانية، أتخيّل جميع القادة اللبنانيين داخل السفينة، كلّ واحد منهم يحمل مقدحاً، ويعمل بكدّ على إحداث ثقوب إضافية في بدن السفينة، كي يسرّع في غرقها". ولكن الدبلوماسي المغتبط بهذه المشهدية، نظراً لاصطفافه في خانة "أعداء" العهد، حدّث زائره عن "قدرة خارقة لدى الربان عون، تسمح له في كلّ مرّة بإنقاذ السفينة اللبنانية من الغرق". فهل سينجح هذه المرة أيضاً، وما هي خطته؟

عملياً، يقف ميشال عون وحيداً في مواجهة الثقب الاقتصادي الأسود، الذي يكاد يبتلع البلد، وفي مواجهة أصحاب المقادح الذين لا يشغلهم غرق السفينة بهم، بقدر ما يشغلهم إغراق عهد الرئيس عون.

الحلقة القريبة من القصر الجمهوري، تقول إنّ الرئيس عون مدرك للمخاطر التي تتهدّد لبنان والإقليم، وانطلاقاً من إدراكه هذا، قرّر إعادة تفعيل سياسة "بيّ الكلّ"، والتعالي بالتالي عن كلّ ما سبق، شرط استدراك القوى المؤثّرة في الداخل، أنّ الوضع الراهن لا يحتمل ترف "حرتقاتها". وعليه، أوصى بعدم الردّ على مصادر النيران ـ إن وجدت ـ تخفيفاً للاحتقان، والتعاطي بإيجابية فائقة مع كلّ موقف إيجابي، انطلاقاً من إيمانه بأنّ سياسة رصّ الصفوف بمقدورها أن تكون العلاج الذي يوقف السقوط.

وبناء على هذه الوصفة الرئاسية، انطلقت موجة برتقالية إيجابية، تُشيد بإشادة الرئيس بري بورقة الرئيس عون الاقتصادية، وثمّة كلام عابر للقصور عن خطاب الرئيس الحريري الإيجابي، دون أن تنسى الموجة الإيجابية ورقة "القوات" الاقتصادية.

الأكيد هو أنّ الموجة البرتقالية الإيجابية انطلقت، ولكن ليس أكيداً ما إذا كان لقاح الإيجابية سيشفي من "فوبيا" ميشال عون. وإذا افترضنا من الآن أنّ لقاح الإيجابية سيكون شافياً، فماذا عن الثقب الاقتصادي الأسود الذي يتربّص بنا؟ وهل لدى الرئيس عون لقاحاً لمداواتنا من أمراضنا الاقتصادية المستعصية؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.