تزوير.. تزوير

واصف عواضة ـ 

الحديث عن التزوير في الانتخابات، لازمة تقليدية ومزمنة في الدول ذات الديموقراطيات المريضة أو الهجينة، ولبنان واحدة من هذه الدول، حيث لا تنقضي عملية انتخابية من دون رفع الصوت بالتزوير، مع العلم أن عمليات التزوير في الانتخابات، خصوصاً النيابية، باتت صعبة ـ وليست مستحيلة ـ منذ اعتماد الفرز داخل أقلام الاقتراع في حضور مندوبي المرشحين.

ذات يوم سألت أحد وزراء الداخلية السابقين، كيف كانت تتم عمليات التزوير في الماضي على نطاق واسع، فقال: "كان الفرز يتم في مراكز المحافظات أو الأقضية، حيث تنقل الصناديق اليها بواسطة القوى الأمنية من البلدات والقرى، وفي الطريق يستبدل صندوق بآخر. أما اليوم فقد أصبح التزوير صعباً بعد اعتماد مبدأ فرز الصناديق داخل أقلام الاقتراع، وغالباً ما تصدر النتائج من الماكينات الانتخابية قبل إعلانها من وزارة الداخلية بساعات طويلة".

في برنامج "العين بالعين" الذي يقدمه الزميل طوني خليفة على قناة "الجديد"، جهد الوزير السابق مروان شربل في اقناع المشاركين في البرنامج، وبينهم الوزير أشرف ريفي والقاضي خالد حمود ومرشحون لم يحالفهم الحظ، بأن وزارة الداخلية لا صلاحية لها في نتائج الانتخابات سوى الإعلان عن هذه النتائج كما تردها من لجان القيد، وأن اتهام الداخلية بالتزوير وتغيير النتائج لا محل له من الإعراب. لكن المشاركين أبرزوا نماذج تؤكد التزوير من قبل رؤساء الأقلام ولجان القيد، وعدّدوا مخالفات كثيرة من جانب هؤلاء، وهي لو صحت وأخذ بها المجلس الدستوري لأمكن قبول الطعون التي ستقدم الى المجلس، ولكانت هناك مشكلة كبيرة، وإعادة نظر في الكثير من النتائج واجراء انتخابات فرعية ملزمة.

وفي أي حال فإن حديث التزوير سيبقى قائماً في ظل المخالفات التي ترتكب من دون رادع، كما حصل في الانتخابات الأخيرة. لكنه أحيانا يبلغ حد المغالاة والسخرية، اذا ما تمت مراجعة دقيقة للنتائج التي أحرزتها بعض اللوائح في العديد من المناطق.

وتحضرني هنا طرفة من انتخابات العام 1996 في لبنان، كان بطلها النائب المهضوم يوسف حمود رحمه الله. فقد نال حمود على النظام الأكثري في دائرة الجنوب الموحدة أحد عشر ألف صوت، بينما أحرز آخر مرشح فائز في اللائحة المشتركة لحركة "أمل" و"حزب الله" 124 ألف صوت.

بعد أيام من الانتخابات، كنا مجموعة من الصحافيين في مقهى "الماندرين" نتنادم في النتائج عندما دخل علينا يوسف حمود صارخا: "لقد زوروا الانتخابات وأسقطوني.. يا ويلهم من الله".

عندها حضرت الفكاهة لدى زميلنا فيصل سلمان فقال له: "يا أبو درويش، ما هو عدد الأصوات التي أحرزتها؟".

رد حمود:11 ألف صوت.

فيصل: أنا مقتنع أنهم زوروا وحرموك من خمسين ألف صوت، فكم تصبح النتيجة؟

حمود: 61 ألف صوت.

فيصل: وأنا أمنحك من جيبي خمسين ألف صوت، فكم يصبح الحاصل؟

حمود:111 ألف صوت.

فيصل: اذن..لا تزال راسباً لأن آخر فائز في اللائحة حصل على 124 ألف صوت..

وضحك حمود وضحكنا معه وقال: والله معك حق يا (…). ومنذ ذلك اليوم امتنع عن حديث التزوير.

طبعاً لا يعني هذا أن التزوير في الانتخابات مجرد طرفة، ولكن في بعض الأحيان يتجاوز حده الى حد الفكاهة.

لكن الطرفة الأبرز أن الكثير من اللبنانيين، وبينهم مرشحون، لم يهضموا حتى الآن قانون الانتخاب النسبي ونتائجه، اذ يتساءلون بسذاجة كيف يمكن لمرشح نال 77 صوتاً تفضيلياً أو 257 صوتاً، أن يتفوق على مرشح نال تسعة آلاف صوت أو أكثر، متناسين أن النسبية هي نظام لوائح وحواصل انتخابية، وأن الصوت التفضيلي لا قيمة له اذا لم تحرز اللائحة حواصل انتخابية، وأنه كان يمكن الاستغناء عن الصوت التفضيلي لو أن النظام الانتخابي خارج القيد الطائفي. ويقول الوزير مروان شربل في هذا المجال، وهو على حق، إن المرشح الذي نجح بـ77 صوتاً يجب أن تضاف اليه الأرقام التي أحرزتها لائحته وذلك من باب الانصاف.

يبقى أن نسبة لا بأس بها من اللبنانيين لم يفهموا أو يتفهموا قانون الانتخاب النسبي المعتمد، والفارق بينه وبين النظام الأكثري، ولن يفهموا أو يتفهموا قبل اعتماد قانون نسبي خارج القيد الطائفي. عندها لا يصبح للصوت التفضيلي مكان في هذا القانون كما هو معمول به في الديموقراطيات السليمة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.