الانتخابات تنبش الذاكرة: من أضاع قرار طرابلس؟

محمد شرف الدين

كان كثير من السياسيين في لبنان يأخذون على الرئيس الراحل عمر كرامي عصبيته الطرابلسية الفاقعة. لطالما كان الرجل لديه حساسية مفرطة تجاه كل ما يخص المدينة. وكان كثير من رجال الحكم يخشى تمرير أي مشروع لأي منطقة بحضور عمر كرامي الذي كان يعطّل أي مشروع ما لم تكن لطرابلس حصة مشابهة.

ليس عمر كرامي الأول في هذا النهج. قبله كان الرئيس الشهيد رشيد كرامي يسلك نفس منهج والده الرئيس الراحل عبد الحميد كرامي الذي كان صاحب المعادلة المشهورة "أقاتل دفاعاً عن طرابلس ولا أقاتل بطرابلس".

ذلك الانتماء الطرابلسي المفرط، كان سبباً في توجيه ضربة انتخابية قاسية إلى كرامي في العام 1996 عندما رفض أن يتولّى حليفه سليمان فرنجية رئاسة اللائحة الانتخابية في دائرة محافظة الشمال، واعتكف يومها قبل أيام من الانتخابات، ثم عندما جرت محاصرته انتخابياً في العام 2000، وتم تشكيل لائحة برئاسة سليمان فرنجية ضمّت مرشّحين للرئيس رفيق الحريري الذي حضر إلى منزل النقيب سمير الجسر لإعلان سحب ترشيحه وضمان محاصرة عمر كرامي، وضمّت اللائحة عن طرابلس آنذاك وزير الأشغال في ذلك الحين نجيب ميقاتي. يومها كان المأخذ على كرامي أنه يريد جعل طرابلس "جزيرة معزولة" وكأنها "ليست جزءاً من الوطن". ولذلك كانت المواجهة الأساسية، آنذاك، بين كرامي وبين وزير الأشغال نجيب ميقاتي الذي كان رأس حربة في مواجهة "إنغلاق طرابلس وعزلها عن محيطها ولبنان".

ذلك كان في التاريخ.. المفارقة اليوم أن شعار كرامي نفسه يرفعه الرئيس نجيب ميقاتي في مواجهة من شريكاً معهم ضد "انغلاق كرامي" في العام 2000، ثم في العام 2009. والمفارقة ايضاً أن الرد على ميقاتي جاء من سمير الجسر الذي انسحب من انتخابات العام 2000 بناء لرغبة الرئيس رفيق الحريري كي تتّسع اللائحة لميقاتي. وقد أسست تلك الانتخابات لشراكة سياسية بين ميقاتي والجسر بشكل مباشر، وتالياً بين ميقاتي و"تيار المستقبل" والرئيس رفيق الحريري، وكانت أولى نتائج تلك الشراكة تكليف ميقاتي تشكيل "حكومة الانتخابات" في العام 2005 بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

في العام 2009، تكرّر التحالف بين ميقاتي وسعد الحريري وتيار "المستقبل" بمواجهة "الطرابلسي" عمر كرامي.

في العام 2018، يرفع ميقاتي شعارات عمر كرامي نفسها، وهي اليوم لا تشكل بالنسبة له "عزل طرابلس" أو "إنغلاق طرابلس على ذاتها". بينما يسارع سمير الجسر إلى تذكيره أنه كان شريكاً "كامل العضوية" في قرار "كسر عزلة" طرابلس في انتخابات العام 2009، وما قبله.

يقول "العزميون" إن ميقاتي يخوض "معركة استعادة خصوصية طرابلس". يردّ "المستقبليون" إن "ميقاتي هو أول من كان ينادي بإلغاء الخصوصيات لأنها تحاصر طرابلس".

يقول "العزميون" إن ميقاتي يريد استرجاع "قرار طرابلس". يردّ "المستقبليون" بسؤال ميقاتي "هل قرار طرابلس هو حصراً بك؟.. وإذا كانت مقولتك صحيحة، فلماذا كنت رأس حربة في إلغاء قرار طرابلس؟".

يقول "العزميون" إن زعيمهم يريد "استعادة الزعامة إلى طرابلس". يردّ "المستقبليون" بالعودة إلى دخول ميقاتي الحياة السياسية "ألم تكن أنت من كسر زعامة طرابلس في الماضي بعد أن استقويت ببشار الأسد لإلغاء عمر كرامي؟".

يقول "العزميون" إن "تيار المستقبل" أخذ من طرابلس ولم يعطها". يردّ "المستقبليون" إن "المستقبل أعطى لكن هناك من أخذ ويأخذ ويعطي من الجمل اذنه، وهناك من يريد أن يطمس عجزه وتقصيره ويرميه على غيره".

وبينما يقول "العزميون" إن مشروع ميقاتي هو "من أجل مستقبل طرابلس"، يؤكّد "المستقبليون" أن "جردة الحساب" كبيرة، لكنهم يطرحون على ميقاتي المعادلة التالية: "إما أنك كنت على صواب منذ العام 2000 وحتى العام 2010، وبالتالي تكون شعاراتك اليوم مزّيفة وتراهن على أن ذاكرة الناس ضعيفة. وإما أنك كنت على خطأ، وبالتالي فأنت تتحمّل مسؤولية ذلك الخطأ لأنك كنت رأس حربة فيه".

لا يتوقّف السجال، لكن نبش الذاكرة قائم بين الطرفين، وإن كان سمير الجسر قد نجح في تنظيم "محضر ضبط" بحق ميقاتي عندما خاطبه قائلاً "نسألك يا دولة الرئيس نجيب ميقاتي، انت في انتخابات 2009 بأي لائحة كنت؟ هذه اللائحة التي كنت فيها تتهمها اليوم بأنها صادرت قرار طرابلس، فهل حينها لم يكن القرار مصادرا، واليوم بات كذلك؟"، وتابع قائلاً "لا يمكنكم تحت شعار بأنكم تريدون لائحة قرارها طرابلسي، تحفظ قرار طرابلس، ان تصادروا وتخطفوا قرار أهل المدينة".

كيف سيردّ ميقاتي على "ذاكرة" الجسر؟ وإلى أين سيصل هذا السجال؟

يبدو أن المعركة الانتخابية ستنبش الكثير من ذاكرة الناس، وهذا ما سيؤدي إلى التأثير بمزاج أبناء طرابلس، وسيزيد من حرارة المواجهة الانتخابية.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.