"لغز" الـ100 مليون دولار!

يرتفع السجال بين الحين والآخر حول قضية صرف 100 مليون دولار لمدينة طرابلس، يفترض أن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي قد رصدتها للمدينة، وهو يتّهم اليوم الحكومتين اللتين جاءتا بعد حكومته، أي حكومة الرئيس تمام سلام وحكومة الرئيس سعد الحريري، بأنهما "ترفضان" صرف هذا المبلغ على مشاريع التنمية في عاصمة الشمال بقرار سياسي من الرئيس الحريري، ويأتي الردّ من تيار "المستقبل" بسؤال ميقاتي عن سبب عدم قيام حكومته نفسها بصرف المبلغ المرصود، فيصوّب ميقاتي اتهامه مباشرة إلى حليفه آنذاك وزير المالية محمد الصفدي بأنه تمنّع عن صرف المبلغ.

تحوّل هذا العنوان إلى "قميص عثمان" في اتهامات ميقاتي لخصومه الذين يتفادون الردّ عليه في هذا الملف، مما أوحى بصدقية اتهام ميقاتي لهم.

لماذا يرفض تيار "المستقبل" صرف هذا المبلغ لرفع جزء من الحرمان في طرابلس؟ ولماذا رفض وزير المالية في حكومة ميقاتي نفسه محمد الصفدي صرف هذا المبلغ؟

السؤالان محيّران ومتناقضان: سؤال ميقاتي واتهاماته، وتمنّع شريك ميقاتي السياسي آنذاك ووزير مالية حكومته عن صرف المبلغ.

فما هي تفاصيل لغز "قصة الـ100 مليون دولار"؟

في جلسة لمجلس الوزراء في العام 2012، كان الوضع الأمني في طرابلس يعيش حالة توتّر شبه دائمة على وقع تكرار جولات القتال بين جبل محسن وباب التبانة والقبة. كانت "الحكومة الطرابلسية" محشورة بعجزها عن المبادرة إلى وقف المعارك لأسباب عديدة. يومها حاول رئيس الحكومة نجيب ميقاتي تعويض العجز عن معالجة الملف الأمني في المدينة بأن طرح في مجلس الوزراء صرف مبلغ 100 مليون دولار للإنماء في طرابلس، وعلى قاعدة أن هذا المبلغ قد يساعد على "شراء" الأمن.

وعلى الرغم من ميقاتي لم يكن قد أطلع وزراء طرابلس على الفكرة، إلا أنهم تحمّسوا سريعاً لتبنّي الطرح، لكن وزراء القوى السياسية الأخرى أصروا على "مساواة" بقية المناطق مع طرابلس وعلى قاعدة "6 و6 مكرّر"، وهنا تدخّل وزير المالية آنذاك محمد الصفدي ليشرح أن الدولة غير قادرة على إنفاق مبلغ 600 مليون دولار بسبب حساسية الوضع المالي للخزينة، وأن توسيع دائرة الإنفاق بهذا الشكل سيؤدي إلى عدم صرف هذه المبالغ، وأن هناك خصوصية لطرابلس بسبب الوضع الأمني فيها وأنه من الضرورة تخصيص طرابلس بهذا المبلغ. لكن صوت الصفدي لم يكن مسموعاً بسبب طغيان الحسابات المناطقية والانتخابية في هذا الصرف.

حاول الصفدي مجدداً إقناع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بأن "تكبير الحجر" سيؤدي إلى استحالة حمله، إلا أن ميقاتي رضخ لطلبات الوزراء الآخرين ووافق على رصد مبالغ مماثلة لبقية المناطق. وهكذا أصبح مبلغ الـ100 مليون دولار لطرابلس من ضمن "سلّة" إنفاق انتخابي للقوى السياسية في الحكومة بقيمة 600 مليون دولار، وهذا ما حوّل القرار إلى "فرقعة" دعائية يستحيل ترجمتها.

بعد أسابيع، تبيّن أن رئيس الحكومة بادر إلى الاتفاق مع أحد المتعهّدين بتزفيت عدد من الشوارع في طرابلس، من دون المرور بأي آلية. لكن الأصوات تعالت من القوى السياسية الأخرى لأن وزير المالية محمد الصفدي لم يصرف لها الأموال لإنفاقها، وراجعوا ميقاتي ملوّحين بمواقف من الحكومة، فطلب ميقاتي من الصفدي صرف المبالغ لبقية القوى السياسية، وهو ما دفع الصفدي إلى إبلاغ رئيس الحكومة أن صرف هذا المبلغ الضخم سيؤدي إلى عجز مالي كبير جداً بينما كان قد تبلّغ من مؤسسات التصنيف المالي الدولية تخفيض تصنيف لبنان، وهو مؤشر خطير على العملة الوطنية. حينها رفض الصفدي صرف اي مبلغ من الـ600 مليون دولار، بعد أن كان قد سدّد قيمة التلزيمات التي قام ميقاتي بعقدها لوحده، وهي مبالغ بحدود 10 مليون دولار تم إنفاقها على تزفيت بضعة شوارع في طرابلس.

لم يتطرّق ميقاتي منذ ذلك الحين إلى هذا الأمر طيلة فترة رئاسته للحكومة، لكنه عاد إلى مطالبة حكومة الرئيس تمام سلام بصرف المبلغ المخصص لطرابلس، ثم مطالبة حكومة الرئيس سعد الحريري بصرف هذا المبلغ الذي تحوّل إلى ورقة انتخابية يحاول ميقاتي الاستثمار فيها في المواجهة مع تيار "المستقبل".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.