انتخابات عكار: حسابات الحقل.. وحسابات البيدر!

** خضر طالب **

تكاد المعركة الانتخابية في الدائرة الأولى في الشمال (عكار)، تفسّر نفسها.

"قلعة" تيار "المستقبل" صارت "أسوارها" ضعيفة ولن تستطيع مقاومة الاختراقات السياسية من جهاتها المتعددة. والتوازنات السياسية التي فتح قانون الانتخاب النسبي شهية تعديلها، ستكون شاهدة ربما على مشهد جديد في دائرة عكار التي تضم 7 نواب (3 سنّة، 2 روم أرثوذكس، 1 ماروني، 1 علوي).

في دورتي انتخابات 2005 و2009، شكّلت عكار ركيزة قوة تيار "المستقبل" في كل لبنان، وانطلق منها بسبعة نواب سمح له بالفوز بهم النظام الأكثري الذي كان معمولاً به في الانتخابات. لكن، وبالرغم من كل دعائم قوة "المستقبل" والمزاج الشعبي الذي كان يؤمّن لـ"التيار الأزرق" احتكار التمثيل النيابي، إلا أن قراءة الأرقام كانت تكشف ناراً تحت رماد الانتصار الانتخابي.

في انتخابات 2009 التي حصد فيها "المستقبل" المقاعد النيابية السبعة المخصصة لتمثيل عكار، اقترع في هذه الدائرة نحو 120 ألف ناخب من أصل نحو 223 ألف ناخب مسجلين (54%)، وحصل تيار "المستقبل" على نحو 60 % من أصوات المقترعين (بحدود 72 ألف صوت)، في حين حصلت لائحة المعارضة (8 آذار) على نحو 30 % من الأصوات (بحدود 36 ألف صوت)، باستثناء رئيس اللائحة وجيه البعريني الذي حصل على نحو 36% من الأصوات (نحو 43 ألف صوت).

استناداً إلى معيار نتائج 2009 فإنه لا يمكن القفز فوق الظروف والمعطيات التي وفّرت لـ"المستقبل" في ذلك الوقت قبل 9 سنوات "الظفر" بالمقاعد النيابية السبعة في عكار، والتي يمكن اختصارها بالعناوين التالية:

 

ـ الزخم الشعبي الذي كان يتمتّع به تيار "المستقبل" في 2009.

ـ "الخدمة" التي قدّمها له الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله عندما وصف "7 أيار" بأنه "يوم مجيد".

ـ التحالف مع "الجماعة الإسلامية".

ـ التحالف مع "حالة" النائب خالد ضاهر التي كانت قائمة.

ـ تماسك تيار "المستقبل" ووحدة صفوفه.

ـ التمويل المفتوح للمعركة الانتخابية.

ـ مساهمة الأجهزة في دعم تيار "المستقبل".

ـ دعم علني وصريح ومباشر من دار الفتوى والمشايخ.

وإذا ما تم "حذف" المعطيات التي توفّرت لـ"المستقبل" في 2009 فإن الحسابات ستختلف بشكل كبير، ومن أبرز هذه المتغيّرات:

ـ اعتماد قانون الانتخابات على أساس النسبية، حيث أن النظام الأكثري كان يلغي تمثيل نسبة الـ30 % لخصوم التيار في عزّ زخمه الشعبي.

ـ غياب العنوان السياسي الذي يستطيع استنفار العصبيات وتحفيز الناخبين.

ـ تراجع المزاج العام المؤيد لـ"تيار المستقبل".

ـ غياب الإنفاق الانتخابي المفتوح، أقلّه حتى اليوم، وعدم وجود دعم مالي للوائح والمرشحين.

ـ تراجع حماسة الناخبين للمشاركة في هذه الانتخابات.

ـ فك التحالف بين "المستقبل" و"الجماعة الإسلامية".

ـ تراجع "حالة" النائب خالد ضاهر بشكل حاد.

ـ الوهن الذي أصاب بيئة وجمهور تيار "المستقبل".

ـ حصول انقسامات في بنية تيار "المستقبل" الأساسية.

ـ انكفاء عدد كبير من كوادر ورموز "المستقبل" في عكار.

ـ ضغط وجود ثلاث لوائح غالبية أعضائها كانوا من المؤيدين لـ"المستقبل"، فضلاً عن مرشّحين آخرين انضموا إلى "لائحة القرار لعكار" وهي اللائحة الرئيسية المنافسة للائحة "المستقبل".

ـ تراجع دور الأجهزة الأمنية في التدخل المباشر، أقله حتى اليوم، وإن كانت تجري الاستعاضة عنها بالهيئة العليا للإغاثة ومؤسسات أخرى.

يبلغ عدد ناخبي دائرة عكار لهذه الانتخابات نحو 280 ألف ناخب على لوائح الشطب. وإذا كانت نسبة الاقتراع شبيهة بنسبة العام 2009، أي 54%، فإن عدد المقترعين سيكون بحدود 150 ألف ناخب، وهو ما يعني أن الحاصل الانتخابي الواحد سيكون بحدود 21 ألف صوت، وإذا تم حذف أصوات اللوائح التي لن تستطيع بلوغ عتبة الحاصل الانتخابي، فإن الحاصل الانتخابي قد ينخفض إلى نحو 18 ألف صوت تقريباً.

تؤشّر المعطيات إلى أن تيار "المستقبل" لن يستطيع الحصول على أكثر من 50 الف صوت كحاصل انتخابي للائحته.

استناداً إلى كل ذلك، فإن الحسابات تقود إلى استنتاج موضوعي ومفاده أن تيار "المستقبل" يستطيع تأمين 3 حواصل انتخابية، اي الفوز بـ3 مقاعد، إلا إذا نجح في تأمين زخم إضافي يؤمّن له الحصول على حجم أصوات يوازي انتخابات 2009، أي نحو 72 الف صوت، فيرتفع بذلك حاصله الانتخابي إلى 4 ويحصل على 4 مقاعد نيابية، وهو أمر صعب حتى اليوم لكنه غير مستبعد.

وفي حالته اليوم، أي بالحاصل المتوقع لثلاثة مقاعد، فإن "المستقبل" يعاني من ضغط مرشّحيه السنّة الذين يتقاربون في أحجامهم، وهو ما يمنح إدارة المعركة الانتخابية لـ"المستقبل" القرار بترجيح كفة مرشّح على آخر لأنه يدرك أنه لن يستطيع الفوز بالمقاعد الثلاثة للسنّة عن دائرة عكار، وأنه محكوم بالاختيار بين مرشحيه لمنح ثلاثة منهم أصواتاً تفضيلية تؤمن لهم الفوز، ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يحاول التركيز على المقاعد السنّية، خصوصاً أن مرشّحه الأرثوذكسي جديد وكذلك حليفه مرشّحه "القوات اللبنانية"، يعتمدان على زخم تيار "المستقبل"، وكذلك المرشح العلوي النائب خضر حبيب، بينما يحظى النائب هادي حبيش ببعض الخصوصية التي تؤمّن له قاعدة انطلاق شعبية. بينما يعاني المرشّحون السنة الثلاثة من مشكلات كبيرة في بيئاتهم.

المرشح محمد سليمان من وادي خالد لا يحظى بحضور خارج منطقة وادي خالد و"المشاتي" (مشتى حسن ومشتى حمّود)، والمنقسمة اصلاً بين ثلاثة مرشّحين: محمد سليمان على لائحة "المستقبل"، ومحمد يحي على لائحة تحالف "التيار الوطني الحر" و"الجماعة الإسلامية"، والعميد المتقاعد باسم الخالد الذي يتمتّع برصيد جيد في المنطقة على المستوى العائلي والخدماتي.

أما المرشّح طارق المرعبي فهو يرث حالة شعبية متهالكة لوالده النائب السابق طلال المرعبي، وفي ظل حالات اعتراض ـ علنية ومكتومة ـ من "المراعبة" على ترشيحه، فضلاً عن وجود اللواء المتقاعد عدنان مرعب على لائحة "القرار لعكار"، والذي أدى ترشيحه إلى اصطفاف القسم الأكبر من "المراعبة" المعترضين خلفه لمواجهة طارق المرعبي.

والمرشح وليد البعريني يحظى بدعم قوي داخل بيئة تيار "المستقبل" وهو لم ينجح في اجتذاب حالة كبيرة من مؤيدي والده إليه، بل على العكس ساهم في رفع درجة التعاطف والاستنفار مع وجيه البعريني ضد تيار "المستقبل" الذي صار متّهماً أنه "يقسم العائلات" و"يفرّق بين الأب وإبنه، وبين الأخ وأخيه".

في المقابل، لا تبدو "جبهة 8 آذار" بحال أفضل، بالرغم من نجاحها في تطعيم لائحتها بإثنين من أركان "المستقبليين"، لأن هذا الفريق خسر الكتلة الناخبة المؤيدة لـ "التيار الوطني الحر"، كما انه تعرّض لنكسة من خلال ضم وليد البعريني إلى لائحة "المستقبل" ، بينما يرأس والده النائب السابق وجيه البعريني لائحة المواجهة الرئيسية مع "المستقبل".

صحيح أن "انشقاق" وليد البعريني تجري معالجته بهدوء، خصوصاً أن حالة تعاطف شديدة برزت مع والده في عكار وفي ظل انتقاد حاد لترشّح الإبن ضد أبيه في بيئة عكار التي ما تزال متمسّكة بالترابط العائلي وبموقع الأب في العائلة. لكن الصحيح أيضاً أن ماكينة "لائحة القرار لعكار" ما تزال تعمل ببطء شديد في ظل غياب الدعم المالي وعدم امتلاكها أي من مفاتيح السلطة، وهي تعتمد على الماكينات الشخصية للمرشّحين المتمرّسين فيها.

واستناداً إلى حسابات انتخابات 2009، فإن هذه اللائحة قد تستطيع الحصول على نحو 35 ألف صوت، أي نحو حاصلين انتخابيين، لأن مرشّحها عن المقعد الأرثوذكسي اميل عبود يحظى بتأييد "الحزب السوري القومي الاجتماعي" وقسم من مؤيدي "التيار الوطني الحر" وبالتالي تعويض جزء من خسارة اللائحة التحالف مع "التيار". بينما يعوّض اللواء عدنان مرعب غياب مرشح من وادي خالد فضلاً عن تمثيل "المراعبة". ويشكّل وجود المنسّق السابق لتيار "المستقبل" في عكار حسين المصري على اللائحة إضافة مهمّة من بلدة ببنين التي تعتبر أكبر البلدات انتخابياً. بينما يمثّل النائب السابق وجيه البعريني حالة سياسية في عكار وحالة شعبية في الجرد العكاري ما تزال متماسكة إلى حد كبير. أما المرشّح العلوي حسن سلّوم، فإنه يشكّل ضمانة لرفع الحاصل الانتخابي من أصوات العلويين في عكار، إضافة إلى الحضور المتجذّر لكل من النائب السابق مخايل الضاهر والنائب السابق كريم الراسي.

لكن الأهم، أن هناك أكثر من جهة سياسية وكتلة ناخبة تدعم هذه اللائحة من دون ضجيج وبعيداً عن الضوء، وذلك اعتراضاً على المرشحين في لائحة "المستقبل"، وهذا ما قد يشكّل مفاجأة غير محسوبة إذا صحّت المعلومات المتداولة في هذا الخصوص.

وعليه، فإن هذه اللائحة تحظى بفرصة تأمين حاصلين انتخابيين، على الأقل، واحد للسنّة، والثاني يتأرجح بين المقعد العلوي المقعد الأرثوذكسي.

أما تحالف "التيار الوطني الحر" و"الجماعة الإسلامية" في "لائحة عكار القوية"، فإنه ما يزال غير ناضج، خصوصاً أن الطرفين نقيضان في كل شيء. حتى أن صدى انتقادات نائب "الجماعة الاسلامية" في بيروت عماد الحوت لـ"التيار الوطني الحر" ما يزال مسموعاً، ومع ذلك يمكن معالجته. لكن التقديرات المتداولة لحجم كل من "التيار" و"الجماعة" ما تزال ضبابية ومتناقضة. فالطرفان لم يدخلا تجربة انتخابية في عكار بشكل مستقلّ، وبالتالي فإن حجم جمهور كل منهما مجهول، وإن كانت كل التقديرات تشير إلى أن هذه اللائحة قد تتمكّن من تأمين حاصل انتخابي، حيث أن التقديرات تتحدّث عن إمكانية حصول هذه اللائحة على أكثر من 20 ألف، لكنها تقديرات غير حاسمة، كما أن إسم المرشح المتقدّم فيها غير واضح، لأن "التيار الوطني الحر" سيحاول قسمة أصواته بين مرشّحَيْه عن المقعد الماروني جيمي جبور وعن المقعد الأرثوذكسي أسعد درغام، إلا إذا كان سيركّز على دعم درغام بسبب تفاهم خلف الستارة مع "المستقبل" يضمن وصول هادي حبيش. بينما غير معروف حجم كتلة أصوات "الجماعة الإسلامية" لمرشحها محمد عبد الفتاح شديد بعد فك تحالفها مع "تيار المستقبل" ومع النائب خالد ضاهر، وهو ما يزيد من ضبابية حجم التقديرات لهذه اللائحة، لأن حجم كل من النائب رياض رحال غير معروف، وكذلك الأمر بالنسبة للنائبين السابقين محمد يحي ومصطفى علي حسين والمرشح محمود حدارة.

أما اللوائح الثلاثة الأخرى في عكار، فإنها تتنافس للحصول على حاصل انتخابي واحد.

وقد انفردت عكار بلائحة ذات نكهة خاصة هي "لائحة نساء عكار"، وهي مغامرة جريئة وتستحق التشجيع، لكنها لم تنجح في تسويق نفسها حتى اليوم.

أما لائحة اللواء أشرف ريفي "لبنان السيادة" فإن معالم قدراتها وحجمها غير واضحة. في حين أن اللائحة التي تضمّ اثنين من كبار الضباط السابقين في الجيش اللبناني العميد المتقاعد باسم الخالد والعميد المتقاعد جورج نادر تحت إسم "لائحة قرار عكار"، تراهن على رصيد كل منهما وعلى العسكريين المتقاعدين في بيئة عكار التي تشكّل خزاناً كبيراً للجيش اللبناني.

في مطلق الأحوال، تبدو انتخابات عكار مختلفة هذه المرة، خصوصاً أن الزخم الانتخابي ما زال ضعيفاً جداً، وربما تكون النتائج مرهونة بحجم هذا الزخم الذي قد لا تتطابق فيه حسابات الحقل مع حسابات البيدر.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.