إطلالة عون: ثوابت بناء الدولة وآفاق حمايتها

جوزف القصيفي

كثيرة هي التعليقات على اطلالة الرئيس ميشال عون عشية الذكرى الأولى لانتخابه، رئيساً للجمهورية. منها ما تناولتها بإعجاب، ومنها ما رأت فيها الكثير من الثغرات. ولكن للإنصاف، فان الرئيس عون كان صريحاً وشفافاً، وأقر بالصعاب والمعوقات التي تعرقل بناء الدولة التي يطمح إلى بنائها. وكأنه كان عليه ان يعتلي سدة الرئاسة لكي يتبين له حجم الفساد الذي ينخر بنية الدولة. على أن عزمه على التصدي كان واضحاً وصارماً، وهو يراهن على عامل الوقت لتحقيق ما يطمح اليه، فالوقت ليس عاملاً سلبياً عند من يمتلك الارادة والتصميم.
الرئيس عون كان محقاً في دعوته الرأي العام اللبناني النظر الى الجزء الملآن من الكوب، والبناء على ما تحقق من انجازات. صحيح أن من واجب الدولة ممثلة بالحكومة أن تنجز التشكيلات الدبلوماسية والقضائية. لكن هذه التشكيلات لم تصدر إلا في السنة الاولى من عهد الرئيس عون، ولو اشتكى البعض من هنّات شابتها. وقبل أي شيء تم إقرار قانون جديد للانتخابات على قاعدة النسبية، وذلك على أنقاض قانون فاقد الصلاحية.

ولعل ما يعادل تشبث الرئيس بهذه القاعدة ويفوقه، هو إصراره على اجراء الانتخابات النيابية في موعدها. من هنا يمكن فهم تكرار إشارته الى انتهاء صلاحية المجلس النيابي، مع معرفته الأكيدة بأن ذلك سيكون مجلبة لانتقادات.
على أن الأهم كانت رؤيته الواضحة لسلاح "حزب الله" وهي تنسجم مع روحية "تفاهم مار مخايل". وكان منطقيا في إيراد الأسباب التي تبرر وجود سلاح الحزب، خصوصاً من خلال إضاءته على الخطرين: الاسرائيلي والتكفيري اللذين يتساويان في خططهما التدميرية في لبنان والمنطقة. كما كان شديد الحرص على وجوب افهام – ما سبق أن أفهمه – المجتمع الدولي، سواء في زيارتيه للأمم المتحدة في نيويورك وباريس، او استقباله رؤساء البعثات الدبلوماسية المعنية، بأن لبنان يرفض التوطين، كما يرفض ربط عودة النازحين السوريين الى بلادهم بالحل النهائي للازمة.

ان هذا الموقف، مقروناً – بما يشبه الجزم – أن لا حرب وأن الوضع الأمني أكثر من مرض، أدخل الطمأنينة الى نفوس اللبنانيين، مقيمين ومنتشرين، وهو يشجع من يرغب في الاستثمار ان يقدم، ولو ان جانبا من ذلك يحتاج الى بيئة ادارية خالية من الفساد وتشريعية تؤدي الى ترشيق الهيئات الراعية له.

الرئيس عون كان يعني كل كلمة قالها في اطلالته الشاملة.
والواضح ان من "يرى روما من تحت، غير الذي يراها من فوق". لا شك أنه فوجئ بأن الفساد في لبنان تحول الى مؤسسة متجذرة في رحم واقعه. وهو أصبح متيقنا من أن العلاج الجراحي سيكون باهظ الكلفة سياسياً، لذا فهو يعد لعلاج يضمن استئصال هذه الآفة من دون أن يخلف آثاراً مباشرة أو حتى جانبية.
الرئيس عون قال ما يرغب قوله، واستبقى لنفسه كلاما يقوله في توقيت يختاره هو. فإرادة بناء الدولة، تبقى همه المقيم، ولن يبدل تبديلاً، مهما تفنّن المشككون في استيلاد الذرائع التي تبرر طروحاتهم.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.