100 "جهادي" تحت المجهر في "علامات في طريق القتال"

وضعت مجموعة بحثية 100"جهادي" ينتمون إلى 49 جماعة ويمتدّ نشاطهم عبر 41 دولة، تحت مجهر الدراسة، بهدف معرفة الأسباب التي تدفعهم نحو التطرف وقتال كل من لا يشاركهم أيديولوجيتهم، وقد تطرّقت الدراسة البحثية إلى كل تفاصيل حياتهم، بما في ذلك تحصيلهم العلمي.

البحث الذي يحمل عنوان "علامات في طريق القتال: ما تفصح عنه حياة مئة جهادي عن حركة عالمية"، والصادر عن مركز الدين والجغرافيا السياسية (لندن)، اعتمد على السير الذاتية لمئة "جهادي" بارز من جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا (54 إفريقيا و46 شرق أوسطية)، أبرزهم أنور العولقي وعمر الشيشاني وعبد الرحمن ياسين، حيث تمّ التركيز عليهم، لأنهم صنعوا لأنفسهم سيرة مهنية بارزة في صفوف "الجهاد" ضمن جماعات يقتصر عملها على الشرق الأوسط، وقد جُمعت المعلومات حول كل "جهادي" من المصادر المفتوحة، لجمع بيان شامل عن رحلة كل فرد نحو التطرف العنيف.

حلل الباحثون المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والخلفيات التعليمية والسفريات الدولية وعوامل أخرى من أجل بناء صورة لحياة الفرد قبل وبعد الانخراط في الجهاد، ثم قاموا بترميز السير الذاتية وفقاً للموضوعات أو الصفات المكررة عبر العيّنة، مما سمح لهم بإجراء تحاليل أكثر تفصيلاً.

تنتمي غالبية العيّنة إلى حركة السلفية الجهادية بمعناها الواسع، وكان لكل فرد في العينة منصب بارز في جماعة جهادية تعمل في الشرق الأوسط أو أفريقيا، إما كصانع أيديولوجيات أو تنفيذي بكفاءة عالية، وشمل البحث أيضًا من يقدمون الدعم اللوجستي في الجماعة، ومن يعملون في ساحة القتال في مركز قيادي أو في الصفوف الأولى.

لم يتم اختيار العينة عشوائياً، حيث تم التركيز على الأعضاء البارزين فقط، وخاصة الهيكل القيادي للجماعات في الحركة الجهادية السلفية. فتم اختيار المئة جهادي في العيّنة على أساس الأهمية في الحركة، وكمّ المعلومات المتاحة عن كل فرد، مع ضمان التوزيع الجغرافي القوي عبر الشرق الأوسط وأفريقيا، وقد كشف الباحثون أن 29 % ممن تم تصنيفهم كصانعي أيديولوجيات، ومن يقدمون التوجيه الفكري والتبرير والتنظيم إلى أنشطة الجماعة، درسوا مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والطب، بينما أكمل 18% منهم دراستهم في مجالات الدراسات الإسلامية.

الحال نفسها مع العناصر التنفيذية، التي يكمن نشاطها بشكل رئيسي في مجالات القتال واللوجستيات والأسلحة، وقد بيّن البحث أنّ عدد خريجي مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والطب أكثر من ضعف عدد خريجي الدراسات الإسلامية، بينما كان عدد الجهاديين الذين تخرجوا من الدراسات الإسلامية أكبر بين صانعي الإيديولوجيات: 18% مقارنة بـ 8 % بين التنفيذيين.

للسجون دورها أيضاً

وقد رأت الدراسة أنّ 65% من الجهاديين قيد الدراسة قضوا مدة بالسجن في مرحلة ما من حياتهم، ومنهم 75% سجنوا بعد الانخراط في الأنشطة الجهادية، و25% فقط سجنوا قبل الانضمام إلى الجهاد، والملفت هو أنّه لم يكن معظم الجهاديين البارزين "مجرمين صغاراً" قبل التحول إلى الجهاد، والجهاد ليس بالضرورة النهاية الحتمية للإجرام.

لم تستطع معلومات المجموعة البحثية إيجاد علاقة سببية بين الجريمة والتطرف، لكنها خلصت إلى أنّ السجون تساهم في انتشار الأفكار الجهادية وتطور شبكاتها.

ويرى التقرير أن السجن لطالما شكّل فرصا عظيمة للجهاديين لتجنيد الآخرين في قضاياهم. كالتواصل بين أبو مصعب الزرقاوي وأبو محمد المقدسي، في أحد سجون الأردن خلال الفترة الممتدة بين عامي (1994-1999)، كما يمكن الإشارة في هذا السياق إلى الشبكة الواسعة من العلاقات الشخصية التي بناها أبو بكر البغدادي في سجن بوكو (العراق) ودور هذه الشبكة لاحقاً في القتال داخل تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق». ويظهر دور السجون كذلك في الروابط بين الجماعات القتالية الإسلامية التي تشكّلت بعد أشهر من اندلاع الاحتجاجات. فقد قضى القائدان المؤسسان لجيش الإسلام (زهران علوش) وأحرار الشام (حسان عبود) بالإضافة إلى قادة جماعات أخرى، مدّة في سجن صيدنايا في دمشق. ومن المرجح أن تجربة السجن هذه سهّلت الروابط بين هذه الجماعات في الفترة الأولى من القتال.

قال الباحثون إن 76% من الجهاديين قيد الدراسة كانوا نشطاء في أربعة مراكز صراع إقليمية: الشام (العراق وسوريا) وخراسان (أفغانستان وباكستان) والساحل (الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر) وشرق أفريقيا (الصومال وكينيا).

بيئة الحدود الخصبة

توفّر الدراسة البحثية نظرة ثاقبة حول كيفية استيلاء الجماعات المتطرفة على الصراعات وأقلمتها في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا عبر الأجيال، كما تعطي فكرة عن القصة الأكبر للتيار الجهادي السلفي خارج سوريا والعراق.

وبالرغم من التباين الكبير بين هذه الصراعات الإقليمية، فهناك العديد من الخصائص المشتركة. إذ تُوفِّر الحدود الفاصلة غير المحكومة نسبياً والقبلية جزئياً في كثيرٍ من الحالات البيئة المثلى لازدهار الجماعات المسلحة، وقد ساءت هذه الديناميكية في بعض الحالات بالسياسات قصيرة النظر المصممة للتخلص من تهديد وشيك للأمن القومي عن طريق السماح للجهاديين بالتنقل بحرية بين البلاد المجاورة، ويعتبر موقف روسيا المزعوم بالتغاضي عن سفر المقاتلين من شمال القوقاز إلى سوريا مثالًا يستشهد به في معظم الأحيان.

تتحدّث الدراسة البحثية عن علاقة تكافلية بين الشبكات، وتعتبر أنّ موقع ليبيا الفريد قد يضعها كمنصة مثلى للعمل الجماعي وتسخير جهود الجهاديين من منطقتي الشرق الأوسط والصحراء الكبرى. إذ يعدّ الصراع الليبي واحدًا من ساحات القتال القليلة التي من شأنها تقديم مثل تلك الفرصة نظرًا إلى أهميتها بين الثقافات. لكن إن كانت لا تولد مثل هذه الإمكانات، فذلك يطرح سؤالًا مهمًا: هل تعاني حركة الجهاد العالمية من طائفية عرقية متأصلة؟ وهل هي على عكس الصورة التي تصدرها عالميًا مقسمة على طول خطوط التصدعات العرقية؟

أبرز نتائج البحث

أولاً: تمت عولمة النخبة الجهادية، وقد نشط 49% من الجهاديين في هذه العينة في بلاد أجنبية، وعاد 27% من الذين يعملون في أوطانهم من صراعات خارجية، بينما بقى 24% من إجمالي عدد الجهاديين في أوطانهم.

ثانياً: تعد المعارف من أهم اعتبارات الجهاديين العالميين. فالاتصالات الشخصية مفتاح مهم ساعد على تطور الحركة الجهادية. ربطت البيانات قادة "جبهة النصرة" و"داعش" اليوم بالمؤسسين الأوائل للحركة من خلال أشخاص التقوا بهم في السجن أو الجامعة أو ساحة القتال.

ثالثاً: مراكز الصراع تجذب الجهاديين. فقد شارك 76% من الجهاديين البارزين في واحدة على الأقل من مناطق الصراع الأربع الرئيسة: الشام (سوريا والعراق) والساحل (الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر) وخراسان (أفغانستان وباكستان) وشرق أفريقيا (الصومال وكينيا). وبالرغم من أن الحركة عالمية، إلا أن هذه المراكز تعد نقاط تجمع.

رابعاً: لجهاديي الشرق الأوسط ومنطقة الصحراء الكبرى شبكات منفصلة، وبينهم القليل من الإثراء المتبادل، على الرغم من وجود جماعات، مثل "داعش" و"القاعدة"، التي تدّعي العالمية. مع ذلك، فقد قضى عدد من المقاتلين البارزين من القارتين بعض الوقت في أفغانستان للتدريب والقتال.

خامساً: ينتقل معظم الجهاديين من جماعة إلى أخرى. انضم 59% من الأشخاص قيد العينة إلى جماعات قتالية متعددة على مدى مسيرتهم الجهادية. وبالفعل، تمثلت 49 جماعة مختلفة في العينة التي تضم مئة جهادي.

سادساً: تمتع معظم الجهاديين البارزين بتعليمٍ جيد. فقد درس 46% من العينة في الجامعة، و57% منهم حصلوا على درجة في العلوم أو التكنولوجيا أو الهندسة أو الرياضيات أو الطب. يعد هذا ضعف عدد الجهاديين المتخصصين في الدراسات الإسلامية.

سابعاً: جاء نصف الجهاديين من حركات إسلامية غير عنيفة. تمتع 51% من الجهاديين في هذه الدراسة بروابط إسلامية لا عنفية قبل الانضمام إلى الحركات العنيفة، فواحد من كل أربعة له روابط مع حركة "الإخوان المسلمين" أو منظمات منتسبة إليها.

ثامناً: تتضمن حياة غالبية المجاهدين مدة في السجن. فقد قضى 65% من العينة مدة في السجن على مدار حياتهم، لكن عُرف عن 25 % منهم فقط ارتكاب جريمة أو قضاء مدة عقوبة، قبل أن يصبحوا جهاديين. وفي زنزانات السجون حول العالم، كان مجندو المستقبل يتعرّضون للإيديولوجية التي ستجذبهم في ما بعد نحو الجهاد.
تاسعاً: 25 % من المجاهدين لهم علاقات سابقة مع حكومات بلادهم. سبق لربع العينة العمل مع الدولة أو الأجهزة الأمنية، أو لهم أقارب مباشرون عاملون في الحكومة. وهذا يدل على أن المعرّضين للتطرف ليسوا فقط الأشخاص على الهامش أو المنبوذين من الحكومة.

 

للحصول على النص الكامل للدراسة
إضغط هنا
علامات في طريق القتال
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.