أديب يقدّم التشكيلة.. وعون يتريث؟

 

نورما أبو زيد /
لم يسبق لرئيس حكومة مكلّف أن احتجب عن الحركة السياسية، كما فعل ويفعل مصطفى أديب منذ تكليفه تشكيل الحكومة العتيدة.
الرجل الذي هبط من لا مكان على رئاسة الحكومة، لا أحد يعلم مكان تواجده، باستثناء تسريبات إعلامية تحدّثت عن حركة مكوكيّة على خطّ كليمنصو ـ بيت الوسط.
حرارة الاتصالات الهاتفية على خطّ باريس ـ بيروت، تشي بأنّ الرئيس المكلّف مصطفى أديب، كلّف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التفاوض نيابةً عنه مع الكتل السياسية. من يتأمّل في "اعتكاف" أديب، يُخيّل له أنّ الرجل يقضي أيامه البيروتية في ثياب نوم حريرية، يحتسي القهوة التركية، ويتصفّح الجرائد اللبنانية والفرنسية لمعرفة آخر أخبار التأليف.
تواري الرئيس المكلّف ليس السابقة الوحيدة. فالأحزاب السياسية التي تنشغل مع كل عملية تأليف بضمان حصتها من الجبنة الحكومية، أعلنت الواحدة تلوَ الأخرى ترفّعها عن المشاركة في حكومة أديب، في سابقة تكاد ترقى إلى مستوى الأعجوبة.
الحزب الاشتراكي كان أوّل المتعفّفين ربّما بفضل "أنتينات" وليد بيك التي التقطت باكراً "مكيدة" أميركية ـ فرنسية على القيادات اللبنانية التقليدية، تلاه حزب القوات اللبنانية الذي ينشغل بقطار المصالحات الذي يعمل على خطّ الإمارات ـ البحرين ـ إسرائيل، لتنتقل عدوى التعفّف إلى التيار الوطني الحرّ وحركة أمل، الأمر الذي يؤكّد نظرية حكومة المُرسلين.
فالثابت حتى الآن، هو أنّ الفرنسي قرّر تشكيل حكومة، يختار ماكرون وزراءها بنفسه، ويُرجّح أن يكونوا جميعاً من المغتربين اللبنانيين. مصادر قصر الصنوبر تقول إنّ التشكيلة الحكومية باتت جاهزة، وسُلّمت لأديب الذي يزور قصر بعبدا لاطلاع رئيس الجمهورية عليها الذي قد يقبل بها وقد يرفضها.
لا يشكّ اثنان أنّ الرئيس ميشال عون الذي اعتاد على المعارك يقف بين نارين. لا يستطيع الرئيس عون رفض التشكيلة المعلّبة لأنّ صعوبة الوضع لا تحتمل ترف الانتظار أكثر. وليس من مصلحة الرئيس عون قبول التشكيلة المعلّبة، لأنّ قبوله يعني تسليم سلاحه مع أوّل غزو خارجي، ونسف كلّ المعارك التي خاضها في استعادة صلاحيات رئاسة الجمهورية. والسؤال الذي يطرح نفسه بالتالي: هل يرضخ عون ويقبل بحكومة لا تعرفه ولا يعرفها تكون تكراراً لتجربة حكومة السنيورة التي تشكّلت في العام 2005، أم يعترض ويعطّل تشكيلها؟
من يقرأ بين سطور بيان رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي أعلن فيه اعتذاره عن المشاركة في حكومة أديب، وأكّد في المقابل على التعاون معها، يستشفّ أنّ الأمور خرجت عن سيطرة اللاعبين المحليين.
سياسة التقشّف هذه في الحقائب والحضور، لا يمكن فصلها عن لائحة العقوبات الأميركية التي أفرجت واشنطن عن اسمين منها، وتستخدم الأسماء التي ما تزال مستورة لتلعب مع السياسيين اللبنانيين لعبة العصا والجزرة. عصا العقوبات لمن عصى، والجزرة لمن يستطيع تطويع نفسه بنفسه.
الرجل الذي صنع منذ 29 عاماً مفتاحاً للبرلمان بنسخة وحيدة، وشَكَلَه على خصره مذّاك الحين وفق قاعدة "البيت بيتي أشرّع بابه ساعة أشاء وأغلقه ساعة أشاء"، اكتشف على حين غرّة أنّ الفرنسي اقتحم بيته دون استئذان، ويدعمه في وقاحته هذه الأميركي الذي يحمل بيده عصا العقوبات.
يقول أحد النواب المخضرمين، "لو كانت أمور تشكيل الحكومة متروكة على غاربها اللبناني كما في السابق، لهدّد بري بحجب الثقة عن حكومة أديب، متحجّجاً بدخول كوكب المشتري في منطقة برجه الدلو وتعكير مزاجه، ولاحتسب النصاب ذهنياً كالعادة باستخدام العداد الياباني Abacus. أمّا أن يقول إنّه سيتعاون رغم عدم مشاركته، فهذا يعني أنّه قرّر الاعتزال، وطوى صفحة 29 سنة مضت حيث كانت ليونته تسمح له بالرقص على حبال مشدودة".
قد يكون الثنائي الفرنسي ـ الأميركي أخرج بري من الملعب السياسي ببطاقة حمراء. وقد يكون بري رمى كرة النار طوعاً في ملعب الرئيس عون. وفي الحالتين، يبقى السؤال ما إذا كان عون سيُخلي الملعب الداخلي للتحالف الخارجي، وما إذا كان بمقدوره تلقّف كرة النار وحده في ظلّ انسحاب رئيس المجلس النيابي من الملعب؟
مصادر القصر الجمهوري لا تطيل الشرح لدى سؤالها عمّا إذا كان رئيس الجمهورية سيقبل بالحكومة المعلّبة التي سيعرضها عليه أديب، وتجيب باقتضاب إنّ "الرئيس عون لن يعطي جواباً لأديب خلال زيارته غداً الاثنين للقصر الجمهوري لاطلاعه على الأسماء، بل سيتدارس اللائحة وفق صلاحياته"، وهذا يعني أنّ عون لم يسلّم سلاحه، ولكنّه لم يشهره بعد!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.