دياب "يتنمّر" على الحصار.. والعراق يزوّد لبنان بمضخّة

نورما أبو زيد /

نفق مظلم بمنعطفات كثيرة هو ذاك الذي دخله حسان دياب طوعاً في اللحظة التي شكّل فيها حكومته، وخلف كلّ منعطف مفاجأة غير سارّة.

حصار سياسي داخلي قوامه تحالف مصالح ثابت بين الفريق السياسي القابع في صفوف المعارضة وبعض "الموالاة"..  وحصار سياسي خارجي مُحكم بقيادة واشنطن.. ومنذ تشكيله حكومته، ثلاث محاولات انقلابية تعرّض لها حسان دياب بتواطؤ بين الخارج والداخل، آخرها كانت الأسبوع الفائت.

بحسب مرجع أمني كبير، حركة انقلابية مؤثّرة قادتها السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا على مدى 48 ساعة، تفاعل معها سفيران تقبع بلادهما تحت العباءة الأميركية، وتضامن معها بعض الداخل.

قبل فترة وجيزة قالت شيا بثقة أمام حلقة قريبة منها Diab is over، وانصرفت إلى تنفيذ المهمّة.

استشعر دياب عبر حسّاساته بالهزة الأرضية الأميركية، فلجأ علناً إلى لغة تأنيبية تحدّث فيها عن "خروقات كبيرة للأعراف الدولية والدبلوماسية"، وعن "سلوك تجاوز كلّ مألوف"، متجاوزاً الخطاب المألوف على مستوى رؤساء حكومات لبنان. فقد أسمع دياب الخارج لغة جديدة لم تَرِدْ في قاموس رؤساء الحكومات الذين سبقوه.

المُعلن هو أنّ مِعْدة شيا لم تهضم الإطاحة بمحمد بعاصيري رجل واشنطن في المركزي، رغم تقديم دياب حبة “Pepto-Bismol” لها ـ علاج عسر الهضم الأميركي الأنجع ـ بالتزامن مع "تبليعها" للخبر غير السار. ولكن السؤال الملحّ في ظلّ محاولات الانقلاب المتكرّرة هو: هل إقصاء رجل واشنطن في المركزي يستحقّ سُعار السفيرة الأميركية على دياب؟

منذ الطائف وحتى العام 2005، سادت ثنائية الاقتصاد والمقاومة. هانوي "حزب الله" تبنّت خطّ المقاومة والحرب. وهونغ كونغ رفيق الحريري تبنّت خطّ الاستثمار والمال والأعمال.

"حزب الله" كان يمثّل الخطّ الممتد من بيروت إلى طهران مروراً بدمشق. ورفيق الحريري كان يمثّل الخطّ الممتد من بيروت إلى واشنطن مروراً بالرياض.

خطان متناقضان لا يلتقيان اجتمعا على جغرافيا واحدة، تمّ ضبط تناقضاتهما تحت سقف الـ "سين ـ سين" بنسختها الأولى.

"نقاتل ونأكل"… هكذا كانت المعادلة التي اهتزّت باغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، الذي ربّما أُريد من اغتياله وضع حدّ لواحد من الخطين. ومنذ اغتياله، الخطان يتنازعان ويتصارعان. يقوى أحدهما على الآخر دون أن يغلبه.

اليوم، تريد واشنطن حسم الحرب لصالح أحد الطرفين، ولذلك تخيّر بيروت بين هانوي وهونغ كونغ. ترفض الاستمرار بمعادلة "نقاتل ونأكل"، وقرارها النهائي: يقاتل لبنان ويجوع، أو يأكل ولا يقاتل. الحصار الأميركي واضح. وتصريحات السفيرة الأميركية واضحة. والانقلاب الأخير الذي قادته شيا هو جزء من الحصار الذي تمارسه واشنطن على لبنان. فهل أرادت شيا إسقاط حكومة حسان دياب، والإتيان بحكومة يرأسها سعد الحريري أو من ينوب عنه من الخطّ عينه؟

المعادلة السياسية المحلية والإقليمية والدولية التي أنتجت 17 تشرين، وأدّت الى استقالة سعد الحريري لم تتغيّر. وعليه، عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة متعذّرة. وهذا يعني أنّ حراك شيا كان للإطاحة بحكومة دياب و"الاستعانة" بالفراغ، والفراغ يعني الفوضى.

شيا التي تتلمذت في خارجية بلادها على يد وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس، أرادت التفوّق على معلّمتها في تطبيق نظرية "الفوضى الخلاقة" التي صدّرتها بلادها إلى دول الاتحاد السوفياتي وإلى العديد من دول أميركا اللاتينية وآسيا والعالم العربي، تارةً بتفوّق، وطوراً بنتائج تخريبية متواضعة.

بناءً على القرار الأميركي الواضح: كيف الخروج من النفق؟

سؤال لا بدّ من طرحه بعدما بات سهلاً القول أن لا ضوء يلوح في النفق. حتى خيار صندوق النقد الذي لجأت إليه حكومة دياب باكراً على أنّه شرّ لا بدّ منه بات مهدداً، بعدما ثبت أنّ أوركسترا سياسية متكاملة تعمل لإفشاله حمايةً لمصالحها ومصالح أصحاب المصارف.

وسط العتمة القاتمة، بصيص ضوء لاح مع زيارة وزير النفط العراقي إحسان عبد الجبّار والزراعة محمد كريم الخفاجي نهاية الأسبوع الفائت. العراق الذي اختبر على مدى سنوات معادلة النفط مقابل الغذاء، يحاول وحيداً أن يكسر حصار العرب والغرب على لبنان.

يقول مصدر قريب من رئيس الحكومة، إنّ قراراً اتّخذ بمساعدة لبنان على مستوى رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي، والرجل الذي تحميه توافقات الضرورة في البلد الذي أنهكته الصراعات يتمتّع بهامش من التحرّك يتيح له الانفتاح على لبنان المحاصر. أمّا رسالة الدعم العراقية التي حملها الوفد الوزاري الذي كان مقدراً أن يكون ثلاثياً لولا اضطرار وزير الصناعة العراقي إلى التغيّب بسبب وعكة صحية، فستُترجم في وقت قريب وبأكثر من صيغة.

يقول المصدر إنّ تفاهماً أولياً تمّ في السرايا الحكومي حول ضخّ النفط العراقي بسعر ميسّر ودفعات مؤجلة. وفي حال وصلت المفاوضات إلى خواتيمها، سيُسجّل للعراق كسره طوق الحصار، ومدّة للبنان بطوق نجاة.

مؤشر ثان، قد يفضي إلى انفراجات وإن كانت حظوظه أدنى، يتمثّل بالدعوة التي وجهها الفاتيكان لوزير الخارجية ناصيف حتّي، للوقوف على حقيقة الوضع في لبنان.

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.