فوضى مالية "غير خلّاقة".. وسلامة تخلّى عن "مريضته"

نورما أبو زيد /

لا يشكّ عاقل، بأنّ أمر عمليات صدر قبل فترة عن "العقل" الأميركي بحجب الدولار من الخارج عن لبنان وضغط على الزر، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة هو اليد التي نفّذت أمر العمليات داخلياَ.
"طبيب" الليرة اللبنانية، الذي أنفق طيلة 25 سنة مليارات الدولارات بحجّة الإبقاء على الليرة معافاة، قرّر فجأة أن يتخلّى عن "مريضته"، وأن يرمي اللبنانيين جماعياً في هاوية لا قعر لها. وعليه، يصحّ القول إنّ صاحب السيرة المليئة بـ "الإنجازات" أدخل لبنان التاريخ، لا من باب جوائز "أفضل حاكم" التي انقطع سيلها فجأة، وإنّما من باب أزمة شحّ الدولار، التي تسبّبت بأسوأ وأعمق أزمة اقتصادية على الإطلاق. ولكن هل يتحمّل سلامة وحده مسؤولية ما آلت إليه الأمور؟

ثلاثة عوامل جوهرية أوصلت الوضع إلى ما هو عليه الآن:

1ـ الطبقة السياسية التي استدانت بِنَهَم وأنفقت بشراهة، واستضافت على مائدتها شركاء محليين وخارجيين أكلوا أخضر البلد ويابسه.

2ـ الأزمة السورية التي كرّست معادلة "سوري في مقابل كلّ لبنانيين"، وحمّلت بالتالي لبنان المنقسم على نفسه عبء كتلة بشرية تفوق نصف سكانه، قضمت من عافية البلد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والصحية والأمنية… دون أن تحذو الدولة اللبنانية حذو تركيا التي انتزعت مكاسب مالية من جاراتها الأوروبية على الضفة الأخرى من المتوسط، بقوة الخوف من موجات نزوح نحو أوروبا.

3ـ ما سبق وما تخلّل حراك 17 تشرين من عمليات تهريب للدولار الأميركي إلى الخارج، وبالتالي تجفيف السوق اللبناني من العملة الخضراء، أُضيفت إليها تعاميم "سلامية" خلقت طلباً مصطنعاً على الدولار، ووضعت اللبنانيين وجهاً لوجه مع آخر حائط في الجمهورية المتهالكة.

طيلة ثمانية أشهر، كانت الجغرافيا اللبنانية مسرحاً لبهلوانيات مالية، وقد نجحت عروض سلامة المسرحية في إدهاش اللبنانيين، من خلال قدرته اللامتناهية على إخراج أرانب سوداء من قبعته، أمّا أرانبه الخضراء، فقد نجح في حجبها لغاية في نفس واشنطن.
سلسلة تعاميم أصدرها سلامة، عمّمت فوضى "غير خلّاقة" في سعر صرف الدولار. وآخر إبهاراته تعميم مرتقب سيتيح لأصحاب الودائع بالدولار الإفادة من سحب 10 بالمئة شهرياً من ودائعهم بالليرة اللبنانية على سعر صرف الحوالات الآتية من الخارج، على أن لا يزيد المبلغ عن 25 ألف دولار شهرياً. أمّا أحد أبرز عروض سلامة التي يمارسها بالتعاون مع سَحَرَة المصارف، هو عملية تصريف الشيكات المصرفية، عبر اقتطاع ما لا يقلّ عن نصف الوديعة المصرفية مقابل دولارات تسلّم نقداً لأصحابها الذين وقعوا قبل فترة في مصيدة الفوائد المرتفعة التي نُصبت لهم.
وإذا كان "الراعي" الذي "يجزّ" ودائع الناس معروف الهوية، وهو ذاته مسؤول عن انهيار قيمة الليرة اللبنانية، فلماذا ما يزال قيّماً على الرعيّة؟ وهذا السؤال يستولد سؤالاً آخر وهو: من يريد إقالة رياض سلامة ومن لا يريد إقالته ولماذا؟
ـ في المقلب غير الحكومي، دفاع مستميت عن رياض سلامة، ويتصدر المشهد رئيس الحكومة السابق سعد الحريري و"خوارجه" من السنيورة والمشنوق وغيرهما. وتسجيله على لائحة الخطوط الحمراء، جعل اللبنانيين يعتقدون لوهلة أنّ سلامة من "مواليد" بيت الوسط.
في المقلب الدرزي المعارض، رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط معارض بدوره لإقالة سلامة، بينما رفض رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع للإقالة مضبوط تحت سقوف عدم الجعجعة.

ـ في المقلب الحكومي، خاض رئيس الحكومة حسان دياب ويخوض معركة حقيقية لإزاحة الحاكم، ولكن نيران "الأعدقاء" التي مصدرها "عين التينة" ردّت وتردّ على مصادر نيرانه بنيران، بحيث خاض رئيس المجلس النيابي نبيه بري ويخوض معركة دفاعية عن سلامة لأسباب عدّة.
بين نيراني بري ودياب يقبع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وتياره، و"حزب الله". الطرفان لديهما رغبة دفينة بالتخلّص من سلامة، ولكن مصادر مطّلعة تقول إنّ التردّد سمة بارزة لديهما وساعة الحسم تملّصا. قبل حوالي أسبوعين عقد دياب النيّة على إقالة سلامة، ولكن في الجلسة الحكومية تردّد رئيس الجمهورية، وربط موقفه بموقف "حزب الله"، والأخير استمهل لأيام، قبل أن يأتي جوابه النهائي بأنّه يخشى من فتنة شيعية ـ شيعية.
أمّا رئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية، فيقف في صفّ بري، ربما من باب التضامن السياسي، وإن كان قد اشترط ألاّ يكون البديل عوني الهوى أو الانتماء. في حين أنّ رئيس "الحزب الديمقراطي اللبناني" طلال أرسلان حيّد نفسه منذ البداية عن معركة إقالة سلامة.

تقاطع سلبي بين فريقي 8 و14 آذار، جعل إقالة رياض سلامة مستحيلة.
وبين موقف مريد للإقالة وعاجز عنها، ومواقف مريبة، وأخرى مرتابة، دخلت الحكومة في "ستاتيكو" لا يتناسب وطبيعة الوضع الاقتصادي المتفجّر. وعليه، باتت في مرحلة شراء الوقت. فما هي الخيارات المتاحة أمامها؟

التوجّه شرقاً خيار عزف على وتره الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله مؤخراً، وقامت الدنيا ولم تقعد بعد، إلى درجة اهتزّت معها قبعة بشارة الخوري الغربية، ورقص طربوش رياض الصلح الشرقي. ولكن بعيداً عن الهرج والمرج، هل باستطاعة لبنان التوجّه شرقاً؟
أبلغ ما يُمكن أن يعنيه التوجّه شرقاً، هو أن تأتي شركات صينية إلى لبنان وتستثمر على طريقة الـ PPP والـ BOT. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل للصين أو غيرها من الدول الشرقية مصلحة بالاستثمار في لبنان في ظلّ عدم قدرتها على تحويل الليرات التي تجنيها إلى دولار؟ سؤال يتوقف عنده كلّ الهراء الذي أبدى أصحابه خشيتهم على وجه الجمهوريتين الأولى والثانية.

في ظلّ سقوط خيار الشرق، وتسكير أبواب الغرب، يبقى ملفّ النزوح السوري طاقة الفرج الوحيدة للبنان، وما على الحكومة سوى فتح أبواب البحر أمام النازحين، وإمساك الجارة الأوروبية من اليد التي تؤلمها، كي تفرج عن مستحقات لبنان من "سيدر".
طرحت قبل عامين سؤالاً على مرجع رفيع في الدولة عن سبب اعتماد لبنان سياسة إقفال المتوسط، فأجاب: نحن لسنا دولة كبرى على غرار تركيا، ولا نستطيع تحمّل تبعات هكذا مغامرة. اليوم وقد خسرنا كلّ شيء، لم يعد فتح أبواب المتوسط مغامرة، بل فرصة نجاة من غرق مُعدّ لنا. فهل تفعلها الحكومة وتشرّع أبواب البحر للنازحين للتعويض عن خطيئة الحكومات السابقة التي شرّعت أبواب البلد لهم؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.