هل الحكومة محكومة بالتعيينات السياسية؟

نورما أبو زيد /

في الوقت الذي يجتاح فيه فيروس كورونا الكرة الأرضية كمارشال لا يُهزم بقدرات جبارة قاهرة وقاتلة، تبيّن للبنانيين ما هو أسوأ من هذه الجائحة: السياسيون.

هؤلاء الذين أكلوا أخضر البلد ويابسه، وسلّموه إلى حكومة حسان دياب أرضاً محروقة لا ينبت فيها زرع إلاّ بأعجوبة، يزركون أنوفهم في تعيينات نواب حاكم مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، وأظهروا شهية استثنائية على المحاصصة، في الوقت الذي يلتهم فيه فيروس كورونا شعوب أوروبا وأميركا، ويزحف بجيشه نحو لبنان.

والملفت هو أنّ قياديين من مقلبي 8 و14 آذار، التقوا على ضفة مطالبة حكومة دياب الجديدة بالإبقاء على قديمهم في التعيينات، تماماً كمن يطلب من طبيب في مستشفى بيروت الحكومي أن يشفي حالة كورونا مستعصية عبر حقنها بإبرة ماء.

فهل تستطيع حكومة دياب أن تشفي لبنان من مرضه المالي، بتعيينات سياسية لنواب حاكم مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف لا تراعي الحاجة الفعلية إلى نواب يتولّون مهمّة التدقيق الدقيق؟

في الوقت الذي رأت فيه الحكومة أنّ تعيينات نواب حاكم مصرف لبنان لا بدّ منها، كي تتمكّن من محاصرة الحاكم المطلق، الذي لم يسقط بقدرة قادر، رغم سقوط نظرياته الخرافية عن الليرة التي لطالما وجدها بخير، ووضع اقتصاداً بأكمله في خدمتها طيلة 30 عاماً، ليُكتشف بعد طول تنظير، أنّها من وعكة صحية إلى أخرى، وجد زعيم تيار المردة سليمان فرنجية في التعيينات فرصة لإطلاق نيرانه على الحكومة، انطلاقاً من اعتقاد راسخ لديه بأنّ رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل اشترك في طبخة التعيينات.

تغريدة فرنجية أتت فاقعة ونافرة وغير مستحبّة في زمن المارشال القاتل، وأفقدته جزءاً من رصيده الكبير الذي جناه بانتهاج سياسة "تكبير العقل" على مدى سنوات. وقد طالبه رواد الفضاء الافتراضي على خلفيتها، بالحجر على مواقفه مثلما يحجر على نفسه.

على الرغم من "زحطة" فرنجية، سلك نبيه بري وسعد الحريري وسمير جعجع ووليد جنبلاط الطريق نفسه، غير آبهين لا بواقع الدولة الاقتصادي الذي لا يحتمل هذا الترف المحاصصاتي، ولا بملك الموت الذي يقرع الأبواب بحثاً عن ضحايا.

الأكثر تنفيراً هو موقف "التيار الأزرق" الذي ظهر وكأنّ الدولة واحدة من شركاته. موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري لا يقلّ بدوره تشدداً عن موقف "الزرق"، ولكنّه غلّفه بالحماس لإعادة المغتربين كي لا يُطالبه الناس بالحجر على مواقفه التي تنطلق من مبدأ محاصصاتي منبوذ في زمني الأرض المحروقة وكورونا. يقصف بري جبهة الحكومة من باب إعادة المغتربين، ويهدّد بتعليق مشاركته بها، وعينه على التعيينات المالية التي يريد حصّة فيها.

ردود الفعل على مشروع تعيين نواب الحاكم ولجنة الرقابة، جعلت المهاجمين يظهرون بمظهر سماسرة الوظائف الدسمة، الذين قد تكون عينهم على تعويضات نواب الحاكم التي تبلغ سقف الـ 4 مليارات ونصف.

بالتزامن مع الهجمة الخماسية، ألزمت الحكومة رياض سلامة بفتح دفاتره أمام التدقيق الحكومي، في خطوة أُجبرت عليها، بعدما رفض الإفصاح عن ميزانيته الحقيقية التي تُعيد على أساسها الحكومة هيكلة مالية الدولة والدين العام. فهل تُبقي الحكومة على سياسة لجان التدقيق الحكومية لمعرفة أسرار الحاكم المطلق، أم تجرّده من الحرس القديم وتطوّق مكتبه بحرس جديد يشبهها من حيث الشفافية ويتقن لغة الأرقام؟ وأيهما أنجح وأنجع؟

تتحفّظ أوساط رئيس الحكومة عن الجواب لدى سؤالها عن موقف دياب من مواقف بري والحريري وفرنجية وجعجع وجنبلاط.

وهل يصرّ دياب على المضي بتعيينات تشبه حكومته؟

تكتفي أوساطه بالتذمّر من المواقف السياسية المحرجة للحكومة في هذا الظرف الحرج من عمر البلاد، وتعتبر أنّ الوقت هو للعمل الجدي وليس للمحاصصات التي أوصلت البلاد إلى الحفرة التي هي فيها.

ولكن ماذا لو أصرّ حسان دياب على تعيينات غير مسيّسة لنواب الحاكم واستقال بري وفرنجية من الحكومة؟

الأوساط المحيطة بفرنجية تقول إنّه قد يفكّر أكثر من مرّة قبل أن يقرّر الاستقالة، وبعد عصف ذهني حول مضار ومنافع الاستقالة، سيعزف عنها. أمّا في حال مضى بري بقرار الاستقالة، فهذا يعني استقالة وزير المالية ووزير الزراعة والثقافة، ويكون بذلك قد سهّل على دياب مهمّة اختيار وزير مالية يتفاعل معه، ويكون قادراً على مواكبته!

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.