عن الحكومة "المنحوسة" والشعب المحظوظ!

نورما أبو زيد

في غمرة الإغراقات الاقتصادية التي تسبّب بها حراك 17 تشرين، ظهرت حسنة شبه وحيدة تمثّلت بإغراق سفن الأحزاب، وإحراق مراكب سعد الحريري.

خرج سعد الكسول من السرايا الحكومي لأسباب خارجة عن إرادته، وحلّ مكانه دياب النشيط. المحيطون بسعد كانوا يتباهون بأنّ الرجل يستيقظ من نومه بين الواحدة ظهراً والثالثة بعد الظهر للدلالة على أرستقراطيته ـ ولا عجب أنّنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه ـ بينما الحلقة المحيطة بدياب تتأفّف من بدئه لاجتماعاته عند السابعة صباحاً، وامتداد يومه القصير حتى الحادية عشر ليلاً، ولن نتعجّب بالتالي إن نجح في إخراجنا ممّا وصلنا إليه.

منذ تكليفه تشكيل الحكومة، أظهر حسان دياب أنّه من طينة "مسؤولة" لا تشبه طينة المسؤولين التقليديين. ومنذ يومه الأول في السرايا، أظهر الصامت الأكبر أنّ وقته لا يتّسع للكلام.

لم يسبق لأروقة السرايا الكبير أن شهدت ورشة اقتصادية حقيقية كتلك التي شهدتها مع وصول القادم الجديد. كان يعلم دياب قبل قبوله مهمّة التكليف أنّ عليه السير بين الألغام التي زرعتها الحكومات السابقة، ولكنه افترض أنّ حكومته متخصّصة بنزع الألغام، وقَبِل بالمهمّة لدواعٍ صرف إنقاذية.

قبل أن يضع مفتاحه في قفل باب السرايا، هناك من كمن له على العتبة بلغم سندات اليوروبوند. اعتقد البعض أنّ كمين اليوروبوند كفيل بإحراج حكومة دياب تمهيداً لإخراجها، وإذا بالرجل يُفاجِىء كلّ الحالمين والطامحين والمغتاظين، بتفكيك لغم اليوروبوند عبر تعليق الدفع والحيازة على ثقة العالم في آنٍ.

الرجل الذي يبدو خجولاً بالنظر إلى ندرة إطلالاته الإعلامية، اتّخذ القرار الأجرأ.

منذ يومه الأول في السرايا، مارس دياب زهداً غير مألوف ذكّر اللبنانيين بـ "ضمير لبنان" الرئيس سليم الحص. وقد وصل به الزهد إلى حدّ تركيب عدّاد كهربائي لمصروف جناحه العائلي، والصوم عن الشوكولاته الفاخرة، والإحجام عن كلّ مظاهر الفخفخة التي أوصلت البلد إلى الفخّ الاقتصادي.

جفّف دياب كلّ صنابير الهدر في رئاسة الحكومة، وأنهى ورشة اليوروبوند بأقلّ أضرار ممكنة، ومن ثمّ انصرف إلى الحدّ من وباء المصارف. وإذ بوباء كورونا يباغته قبل أن يجد علاجاً للوباء الأوّل والمزمن. وقد يكون "الفاول" الوحيد الذي ارتكبه منذ بداية مشواره في السرايا الحكومي هو استقبال جمعية المصارف، وشكرها على "هبة" الـ 6 ملايين دولار التي قدّمتها "جمعية الناهبين" للشعب اللبناني المنهوب من قبلها وعلى يدها وفق قاعدة "من كيسك عَ ضرسك".

عندما توالت مصائب الحكومات السابقة على دياب، كان اللبناني يردّد على صعيد النكتة "بعد في التنين". وها قد وصل التنين، واحتجزنا جميعاً في زلعومه.

من يقصد السرايا الحكومي في هذه الأيام، يكتشف أنّ الحكومة التي ولدت من رحم إفلاسين سياسي واقتصادي لا ينام رئيسها، لتدارس كيفية الخروج من زلعوم التنين.

كان دياب مقرراً ألاّ ينام إلى حين استخراج ما ابتلعته البطون السياسية من أموال، فوجد نفسه فجأة في زلعوم التنين. وهو يجهد للعودة إلى فمه بعدما فاقت أعداد المصابين بالفيروس القاتل الـ 300 شخصاً، لأنّ المراوحة في الزلعوم تعني انزلاقاً حتمياً ولا إرادياً إلى بطن التنين.

رغم صفر الاعتمادات، اتّخذ دياب مجموعة إجراءات لمقاومة التنين:

ـ أقفلت حكومة دياب أبواب المدارس والجامعات قبل أن يخطر الأمر في بال حكومات إيطاليا وفرنسا واسبانيا وبريطانيا وأميركا و.. و… ولكن اللبناني المحبّ للكيف وجد في الإجازة المَرَضية، فرصة للسفر والتبضّع والتزلّج والسباحة، فأدخل نفسه رغماً عن إرادة الحكومة في فمّ التنين، وانزلق طوعاً إلى الزلعوم، اعتقاداً منه أنّه محصّن ضدّ كلّ أنواع الفيروسات، بفعل انتمائه إلى فئة فئران المختبرات الذين جُرّبت بهم مجموعة فيروسات سياسية قاتلة وصمدوا.

ـ أعلنت الحكومة إقفال الحدود والمطار، في خطوة استباقية لمنع المحظور، وسبقت بذلك دولاً كثيرة ممن فتك بها التنين.

ـ أعلنت الحكومة التعبئة العامة، ومع ذلك وجدت من يكسر قراراتها بالصلاة في باحات المساجد، والتجمهر في الطرقات، والاحتفال بالأعراس، والسباحة، وغيرها من العراضات القاتلة.

ـ استدركت الحكومة رغم ضعف إمكانياتها المادية الحرج الاقتصادي الذي يعاني منه نصف الشعب اللبناني، وأطلقت حملة مساعدة للأسر الأكثر فقراً.

كلّ ما قامت وتقوم به حكومة حسان دياب هو استثنائي وتاريخي بكلّ المقاييس، ولكنّها ما تزال مهجوسة بكابوس الانزلاق إلى بطن التنين حتى الموت اختناقاً، لأنّ الشعب المحظوظ لا يتجاوب مع إجراءات الحكومة "المنحوسة"!

من المتوقّع أن ترتفع أعداد مصابي كورونا إلى عتبة الـ 2500 خلال أسبوعين، على اعتبار أنّه مقابل كلّ حالة مشخّصة، ستظهر 8 حالات من المحيط المنزلي والعملي، انتقلت إليها العدوى قبل تشخيص المصاب. فهل يستجيب اللبنانيون لإنذارات الحكومة ويتوقّف العداد عند عتبة الـ 2500، أم نسجّل رقماً قياسياً على قائمة عدّائي كورونا؟

 

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.