"حصــاد" مصــالحـة "البساتين": رابحـون وخـاسـرون.. وجـولـة ثانيـة؟

/ خضر طالب /

فعل بيان السفارة الأميركية فعله، فتصالحت العشائر اللبنانية، ونزلت بشروطها وعنادها عن الشجرة، بعد أن وصلت إلى الحائط المسدود، ودفعت بالبلد إلى حافة سحيقة.

وحدها المكابرة هي التي تنفي أي دور لبيان السفارة الأميركية في فرض التسوية. ثمة كلام كثير عن كلام أميركي كبير قيل لمسؤولين اللبنانيين أربك المعاندين للتسوية ودفعهم للتراجع خطوة إلى الخلف… فحصلت المصالحة بمبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري نفسها التي كانت مرفوضة قبل 4 أسابيع!

بعض الهمس يتحدّث عن تلويح أميركي بلائحة أسماء ستشملها العقوبات الأميركية، فكان ذلك التهديد بمثابة هزّة أعادت جميع الأطراف إلى القبول بالتسوية، وإنهاء حالة الشلل التي أصابت البلد.

وبغض النظر عن مدى صحة هذه المعلومات، فإن نتيجة مصالحة بعبدا، انتهت إلى حصاد سياسي للأطراف المعنيين، مباشرة أو مواربة، بملف قبرشمون ـ البساتين، وبالتالي فإن هذه النتائج أعادت رسم التوازنات الداخلية، أو في الحد الأدنى أبطأت اندفاعة بعض القوى السياسية لتعديل موازين القوى، وفرضت تعديلاً في التكتيك والأجندات.

في الظاهر، كانت المواجهة درزية ـ درزية بين رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط ورئيس "الحزب الديموقراطي" طلال أرسلان، أما المواجهة الحقيقية فكانت خلف المتاريس التي ارتفعت في الجبل.

تحوّلت خلدة إلى "غرفة عمليات" لقيادة معركة تحمل عناوين كبيرة:

ـ تطويق وليد جنبلاط سياسياً، وشخصياً، تمهيداً لشطبه من المعادلة الداخلية.

ـ الإطباق على رأس حربة "فلول" قوى 14 آذار، لتطويع باقي أطرافها الذين يحاولون لملمة أشلاء هذا التحالف.

ـ حسم معركة رئاسة الجمهورية مبكراً، عبر دور تعطيل القوى المؤثرة فيها والرافضة للتفاوض حالياً على الرئاسة.

ـ استكمال الانقضاض على عناوين التوازن الداخلي التي حدّدها اتفاق الطائف، من خلال إضعاف رموز هذا الاتفاق.

في المقابل، ضمّت غرفة عمليات المختارة، "بالروح أو بالجسد"، قوى سياسية من 14 آذار، وأيضاً من 8 آذار، لكنها أوكلت قيادة العمليات إلى وليد جنبلاط نفسه، تحت العناوين التالية:

ـ صدّ الهجوم المتواصل والكاسح الذي ينفّذه العهد ممثّلاً برئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل.

ـ كبح اندفاعة باسيل القياسية بسرعتها نحو قصر بعبدا.

ـ إعادة التوازن السياسي الداخلي الذي اختلّ على وقع ضربات وإجراءات رئيس الجمهورية والوزير باسيل، بحماية "حزب الله".

ـ استدراج "حزب الله" إلى تفاهم سياسي يخفّف متانة سقف حمايته للعهد وباسيل.

ـ حماية وليد جنبلاط بما يمثّل من ركن أساسي في التركيبة السياسية.

ـ حماية صيغة الطائف التي ترنّحت وتكاد تسقط.

في "غرفة عمليات" خلدة، كان يتولّى جبران باسيل إدارة المواجهة، بدعم علني من "حزب الله"، ولكن عن بُعد. وعندما ارتبكت "قيادة العمليات" نقل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون "أمرتها" إليه مباشرة لإدارتها من قصر بعبدا.

أما في غرفة عمليات المختارة، فقد كان وليد جنبلاط يجلس مع "الأطياف" المتعاطفة معه بالروح: يؤمّن له رئيس المجلس النيابي نبيه بري "معابر" من الحصار لأنه غير قادر موضوعياً على حمايته أو خوض المعركة إلى جانبه. يحاول رئيس الحكومة سعد الحريري إقامة حاجز لمنع تنفيذ الهجوم على جنبلاط، وهو يتعاطف معه قلباً لأن "قالبه" محكوم بمسافة فاصلة. يراهن عليه رئيس "المردة" سليمان فرنجية لهزيمة جبران باسيل، وإن كان ملزماً بالتعاطف مع طلال أرسلان. يؤازره علناً عن بُعد رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع…

لكن في المحصلة، كان وليد جنبلاط يخوض "معركة حياة أو موت" بالنسبة له، وإن اختصرت هواجس كل خصوم جبران باسيل.

وعندما ضاق الخناق على جنبلاط، واكتشف أن "أرواح" خصوم باسيل غير قادرين إلا على التعاطف عندما أبلغوه "قلبنا معك"، استحضر روح التاريخ وتجارب الشوف، فاستنجد بالسفارات، العربية والأجنبية، الشرقية والغربية… خاطبهم باختصار "أنا أتعرض لاغتيال سياسي… هل ستتفرّجون؟!". سريعاً، طارت البرقيات من السفارات إلى بلادهم، حصلت اتصالات خارج لبنان، من الخليج إلى واشنطن مروراً بالفرنسيين والألمان و"الانكليز"، ثم صدر القرار: الولايات المتحدة ستتولّى حماية وليد جنبلاط.

طرقت واشنطن يدها على طاولة بيروت بقوة أيقظت الحالمين والساهين: ممنوع تجاوز الخطوط الحمر… سارع نبيه بري إلى طرح الإخراج المناسب الذي كان صاغه مسبقاً، فكانت مصالحة بعبدا التي أعادت خريطة التوازنات الداخلية، وأدت إلى كدمات وابتسامات.

في جردة حسابات الربح والخسارة، يسود اعتقاد أن العهد أصيب بكدمات قوية، خصوصاً بعد أن دخل المواجهة مباشرة قبل يوم واحد من بيان السفارة الأميركية.

بعض خصوم الرئيس ميشال عون يعتقدون أن ما حصل يشكّل نقطة التحوّل في مسار بعبدا، وأن "مؤشّر" قوّة العهد بدأ بالهبوط، ما يعني أن ما بعد المصالحة ليس كما قبلها.

ذلك ينسحب على رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل الذي يسود اعتقاد أنه الخاسر الأكبر من هذه المواجهة. في اعتقاد أصحاب هذا الرأي أن باسيل لن يستطيع العودة إلى الأداء السياسي الذي كان يمارسه قبل المصالحة، وأنه سيضطر إلى تخفيف اندفاعته، ما يسمح بعودة التوازن إلى الحكم والبلد.

وفي المقابل، ثمة من يعتقد أن باسيل ليس من النوع الذي يستسلم، وبالتالي قد يأخذ استراحة محارب، تمهيداً لاستئناف هجومه، انطلاقاً من قاعدة تعلّمها من عمّه الرئيس ميشال عون أن الهجوم المتواصل لا بد أن يثمر في النهاية حتى ولو خسرت في البداية.

الخاسر الثاني، هو طلال أرسلان الذي رفع سقفه إلى مستوى لم يعد هو نفسه قادراً على الوصول إليه، واكتشف أن الواقع الدرزي الذي تعاطف معه بداية نتيجة سقوط ضحايا من أنصاره، لم يكن مؤيداً لمواجهة درزية ـ درزية تزيد من إضعاف الدروز في التركيبة السياسية. كما أن أرسلان خسر سياسياً عندما سحب رئيس الجمهورية منه عصا قيادة المواجهة مع وليد جنبلاط.

"حزب الله" لم يخرج من هذه المواجهة رابحاً، ربما لم يخسر، لكنه أصيب ببعض الكدمات، وإن كانت المصالحة تؤمّن له إعادة احتواء "شغب" وليد جنبلاط… إلى حين.

أما وليد جنبلاط نفسه، فقد خرج من هذه المصالحة رابحاً في جزء منها وخاسراً في جزء آخر، وبالتالي فإن جنبلاط يدرك أن المرحلة لا تسمح له بالربح، إلا بمقياس احتساب حماية نفسه وموقعه ودوره ربحاً، استناداً إلى قناعته بأنه كان يتعرّض لحرب إلغاء. مع ذلك، فإن سعي وليد جنبلاط المحموم للحصول على حماية "حزب الله" وضمانته يعني أنه لم يخرج رابحاً… إلا بالشكل. فهو أيضاً قدّم تنازلات في التسوية شكلاً ومضموناً، فضلاً عن أن بيان السفارة الأميركية صحيح أنه أمّن له طوق نجاة، لكن ذلك البيان جاء مدروساً بعباراته التي لا تنتصر له وحده وإنما تنتصر للتوازن الداخلي وللطائف ولإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل حادثة قبرشمون ـ البساتين.

أما رئيس المجلس النيابي نبيه بري، فيمكن اعتباره الرابح الأكبر من المصالحة، وكذلك رئيس الحكومة سعد الحريري.

الرئيس برّي، الذي كان محرجاً بشراكته مع "حزب الله" وتحالفه مع وليد جنبلاط، استعاد دوره كمرجع ـ ملاذ لمختلف القوى السياسية، عن حب أو عن كراهية، عن رغبة أو عن اضطرار. فضلاً عن أن ما انتهت إليه المواجهة حقّقت ما يريده علناً وما يضمره: استعادة التوازن الداخلي، توجيه ضربة لمحاولة تعديل الصلاحيات بالنصّ أو بالعرف، إصابة طموح باسيل الرئاسي بضربة قاسية، حماية اتفاق الطائف.

الرئيس سعد الحريري، الذي كان مربكاً بشراكته في التسوية الرئاسية وحلفه "الملزم" مع وليد جنبلاط، تخلّص من أعباء هذا "الانفصام" المفروض عليه، وخرج رابحاً وليد جنبلاط من دون أن يخسر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والوزير جبران باسيل. لكن الحريري ربح أيضاً، وهذا الأهم، عودة التوازن إلى الصلاحيات الرئاسية.

سليمان فرنجية وسمير جعجع ربحا أيضاً بما أصاب مشروع باسيل الرئاسي.

في المحصلة، انتهت جولة من "ماراتون بعبدا"، بحصيلة تؤجّل الجولة الثانية إلى حين تنضج الظروف المناسبة إما لاستئناف جبران باسيل هجومه، وإما لتنفيذ هجوم مضاد يقطع الطريق عليه… والأرجح أن موعد انطلاق الجولة الثانية لن يكون بعيداً.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.