المتقاعدون يقودون المواجهة: محاصرة السلطة

/ سماح عبيد /

نجحت السلطة في تفكيك الاعتراضات على مشروع الموازنة المفخّخ بمواد تطال معظم الشعب اللبناني.

عملياً، أخذت كل فئة على حدة:

ـ القضاة: جرت محاولة لشق صفوفهم، وعندما حافظ القسم الأكبر من القضاة على تماسكهم، لجأت السلطة إلى تقديم تنازلات لهم عبر وعود بالتجاوب مع مطالبهم، فعادوا عن اعتكافهم.

ـ الأساتذة المتفرغون في الجامعة اللبنانية: حاولت السلطة بداية الضغط عليهم عبر الأحزاب، ثم عبر ضرب تحركهم بشرذمتهم، وعندما فشلت في خطتها رضخت لهم وأعطتهم وعوداً ترضيهم جزئياً.

ـ الأساتذة في مراحل التعليم المختلفة: جرى التعامل معهم بالمفرّق، حتى نجحت السلطة في تعطيل تحركاتهم عبر تلبية بعض المطالب وتقديم وعود بالمطالب الأخرى.

ـ عناصر الدفاع المدني: تلقوا وعوداً بالتثبيت والتجاوب مع مطالبهم.

ـ ـ الاتحاد العمالي العام: جرى تعطيله بالكامل عبر إقصاء رئيسه بسبب هفوته التي ارتكبها بحق البطريرك الراحل نصر الله صفير. وأصبح الاتحاد العمالي العام عاطلاً عن العمل إلى أجل غير مسمّى.

ـ هيئة التنسيق النقابية: تحوّلت إلى أشلاء بسبب تعامل السلطة مع أطرافها بالمفرّق.

لم يبق في الساحة إلا العسكر والمتقاعدين، وبما أن المؤسسات العسكرية عاجزة عن التحرّك مثل باقي القطاعات، فإن العبء وقع على المتقاعدين، العسكريين والمدنيين، وإن كان المتقاعدون العسكريون هم الجسم المنظّم الذي نجح في إدارة تحرّكه على الأرض وأثبت قدرته على قيادة حراك استثنائي وتاريخي في لبنان.

وعليه، قرّر حراك العسكريين المتقاعدين، ومعه قرّر المتقاعدون المدنيون في الإدارة، خوض التحدّي حتى النهاية، دفاعاً عن حقوقهم وأيضاً حقوق زملائهم الذين ما زالوا في الخدمة، وهذا ما يمنحهم ورقة قوة إضافية في موجهة السلطة التي تستقوي على العسكر بسبب عدم قدرته على الاعتراض، وتستقوي على المتقاعدين المدنيين والعسكريين لأنها تعتبرهم "فئة غير منتجة" ـ وفق التسمية التي أطلقها عليهم سابقاً وزير الاتصالات محمد شقير بصفته رئيس الهيئات الاقتصادية ـ ولأنها تعتقد أن المتقاعدين هم أفراد ولا إطار يجمعهم للتحرك. لكن السلطة فوجئت بالعسكريين المتقاعدين الذين نجحوا في التجمع لحماية حقوقهم، وكانت "غزوة السراي" بمثابة صدمة كبيرة، وإن شكّلت تلك "الغزوة" ثغرة حاولت السلطة التسلّل من خلالها لضرب تحرك العسكريين المتقاعدين من الداخل وشرذمتهم، وبالتالي تعطيل قدرتهم على الاعتراض. وربما نجحت السلطة في خلق شرخ بين عدد من الضباط المتقاعدين، إلا أن ذلك لم ينسحب على جسم حراك العسكريين الذين تجاوزا التباينات ورمّموا الصدوع التي أصابت جسدهم.

في المحصلة، يخوض المتقاعدون اختباراً مهماً لمدى قدرتهم على تحدّي خطة شرذمتهم، باعتبارهم خط الدفاع الأخير عن المواطنين الذين لا قدرة لهم على تنظيم تحرّك يحميهم من خطة إفقارهم في مشروع موازنة يقوم على سرقة ما في جيوب الناس لتمويل جيوب أهل السلطة.

ولهذا، فإن قرار حراك العسكريين المتقاعدين، ومعهم المتقاعدون المدنيون في الإدارة والوزارات والمؤسسات، يشكّل في حدّ ذاته بدلاً عن ضائع بالنسبة لفئات اللبنانيين، بعد أن تعطّلت الهيئات النقابية التي كان يفترض أن تتصدّى للضرائب والرسوم التي يتضّمنها مشروع الموازنة.

ولهذا أيضاً، يعتبر المتقاعدون أن قطع الطرقات يوم الخميس، وبالتالي عزل العاصمة بيروت لمدة 5 ساعات، هو بالنيابة عن اللبنانيين الذين تطالهم الضرائب والرسوم، وعن الموظفين، وعن العسكريين في الخدمة في مختلف المؤسسات العسكرية والأمنية.

في قناعة العسكريين المتقاعدين ان قطع الطرقات حول العاصمة، إنما هو محاصرة للسلطة السياسية التي تدير ظهرها للناس، بل وتمعن في إجراءاتها التي تأخذ ما في جيوب اللبنانيين وتدفعهم إلى العجز والمديونية بعد أن ورّطت هذه السلطة الدولة في العجز والمديونية الضخمة.

خطوة "مؤلمة" بالنسبة للبنانيين، لكنها مع ذلك هي خطوة تحذيرية، لأن المتقاعدين يتّجهون إلى اعتماد أسلوب الصدمات في تحركاتهم، لدفع القوى السياسية في السلطة إلى إعادة التفكير في خطة إفقارهم. ولعلّ الصدمات ستتوالى وتتصاعد إلى حدود قد لا تكون في حسابات الحكومة ومجلس النواب والقوى السياسية.

خطة عمل العسكريين المتقاعدين

وقد أصدر حراك العسكريين المتقاعدين بياناً، أكد فيه أنه "أمام تعنت السلطة وإصرارها على المضي قدماً في موازنة الذل والعار التي تخالف الدستور والأنظمة والقوانين وشرعة حقوق الإنسان وتهدد الأمن الاجتماعي للمواطنين وتطيل أمد الهدر والفساد ومعاناة العباد، وأمام استمرار السلطة بإلقاء تبعات فشلها وإفلاسها على شرائح واسعة من المواطنين، في غياب أي خطة إنقاذ اقتصادية واجتماعية واضحة وحكيمة لحماية ذوي الدخل المحدود، وأمام تهافت هذه السلطة على أبواب الصناديق الدولية لإغراق الشعب اللبناني بالذل والديون وإلحاقه بصفقة القرن المشبوهة. فإن حراك العسكريين المتقاعدين والتزاما منه بالقسم الوطني، أصبح ملزما بتجاوز المطالبة بحقوقه المادية والمعنوية إلى المطالبة بالحفاظ على أمن المواطن والوطن بإسقاط "الموازنة المسخ" ورفض الاستدانة باسم الشعب اللبناني والارتهان والإذعان لإملاءات الصناديق الدولية".
أضاف البيان: "وعطفا على بياناته السابقة وقرارات هيئة التنسيق بالتصعيد، اعلن الحراك قطع الطرقات الرئيسية التي تربط العاصمة بالمناطق بتاريخ 27/6/2019 من الساعة الخامسة ولغاية العاشرة صباحا، وتعتبر هذه الخطوة تحذيرية لأن الخطوات اللاحقة ستكون أشد قسوة وإيلاما، طالما أن الحكومة ماضية في تعنتها وإصرارها على هضم حقوق المواطنين. ويستثنى من منع المرور، الآليات التابعة للقوات المسلحة كافة والدفاع المدني والصليب الأحمر والهلال الأحمر وسيارات الإسعاف التابعة للبلديات والجمعيات وآليات قوات الأمم المتحدة التي تحمل شعارها".
وأشار إلى أن "الحراك العسكري الذي أقدم على هذا الإجراء مرغماً، يعتذر سلفا من الشعب اللبناني الطيب لما سيلحق بالمارة من تأخير وعرقلة، متأسفا لأن هذه السلطة لا تفهم إلا بلغة القوة، ويدعو الشرائح الشعبية والنقابية وكل المواطنين إلى مساندته في تحركاته لأنها تهدف إلى حمايتهم وحفظ حقوقهم وعيشهم الكريم".
وحذر الحراك "السلطة التي أدارت ظهرها لمطالب الفئات الشعبية والأساتذة والطلاب والعسكريين، بأنه سيتم محاصرة وعزل مجلس النواب وتدريجيا عزل لبنان عن الخارج، تزامنا مع انعقاد الهيئة العامة لمجلس النواب لمناقشة مشروع قانون الموازنة، ولن يثنيه عن ذلك إلا إعلان رسمي في أقرب وقت ممكن يتضمن إسقاط كل المواد والبنود التي تطال حقوق المواطنين على اختلاف شرائحهم، تفاديا لأخذ الوطن إلى الانهيار التام الذي وصل إليه بفضل السياسة الاقتصادية المجرمة للحكومات المتعاقبة منذ العام 1990 وحتى اليوم".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.