فضيحة 2 آب: إلى المحاكمة.. بمفعول رجعي

* نورما أبو زيد *

نعيش "في حمى" طبقة سياسية ماكرة وفاجرة وقاهرة وقاتلة و…  أصحاب الدكاكين السياسية ساهموا وشاركوا  في خطف العسكريين، ولم يقدّموا واجب العزاء، ولو خجلاً. ولكن ممن ومماذا سيخجلون؟ هؤلاء فقدوا الحياء، ولولا فقدانهم لحيائهم لما فقد العسكريون حياتهم. وها هم اليوم، ككلّ يوم، يجلسون على كراسيهم، ويتحصنون بالفيتو الطائفي والمذهبي، ويصوّرون فضائحهم أخلاقاً، ورذائلهم فضائل ومآثر.

وحده اللواء عباس إبراهيم دخل خيمة الحزن في وسط بيروت حاملاً كعادته شرف المسؤولية، ومثله فعل وزير العدل سليم جريصاتي وبعض النواب والشخصيات الصادقة في عاطفتها، بينما أصحاب الدكاكين السياسية كانوا يرفعون الأنخاب للمتاجرة ببضاعة انتهى وقت صلاحياتها وكانوا هم أول من سوّقوا لها وأمنوا لها الحماية والحصانة.

أبطالنا ذهبوا إلى النوم الأبدي على حلم تحرير الأرض، وإرهابيو "داعش" ذهبوا إلى الرقة على متن باصات مكيّفة، أمّا طبقتنا السياسية العلية فتتفرّج وتصفّق لنفسها على هذا "الإنجاز" المزدوج. قد تكون هذه المرة الألف التي تقف فيها هذه الطبقة المُطبِقة على أنفاسنا موقف المتفرّج. لقد تفرّجت أولاً على الإرهابيين وهم يدخلون جرودنا، وتفرّجت ثانياً على الإرهابيين وهم يخطفون جنودنا، وتفرّجت ثالثاً ورابعاً وخامساً… على "اللبنانيين" المتواطئين مع الإرهابيين الخاطفين، ومن ثمّ تفرّجت على خروج "أبو مالك التلة" والمسلحين الذين خطفوا العسكريين وقتلوا منهم وأرسلوا المتفجرات والصواريخ.. لكنهم، بالرغم من ذلك، كانوا بالنسبة للبعض "أبطال ثورة". وتتفرّج الآن على خروج "أبو الزبير" و"الجزارين" الذين ذبحو العسكريين والمدنيين وحوّلوا جرود السلسلة الشرقية إلى مقابر جماعية.. لكنهم كانوا بالنسبة للبعض رهاناً كبيراً على إسقاط النظام السوري.. ثم بعد ذلك يتفرّجون على أهالي العسكريين ويستغربون حزنهم وآلامهم..

هم شلّة تجّار و"المرحّلون" شلّة مرتزقة، وما من فارق كبير بين التجار والمرتزقة، لأن كلاً منهما ليس لديه انتماء ثابت. التاجر يتنقّل بحثاً عن المال، والثاني ينتقل بحسب السعر الأعلى الذي يدفعه "التاجر".

لبنان كلّه موجوع، لبنان الشعبي لا لبنان الرسمي. ولكن لا وجع يضاهي وجع أهالي العسكريين، ولا حزن يرتقي إلى مستوى حزنهم. 1120 يوماً قبعوا في خيمة بلاستيكية غير آبهين لا بحرّ صيف، ولا ببرد شتاء، في انتظار عودة فلذات أكبادهم، فإذا بأبنائهم في دنيا الحق منذ عام 2015 بعلم أركان السلطة التي خصصت حكومتها، المسؤولة المباشرة عن اختطافهم، جائزة مالية لمن يعطي معلومة صحيحة عن مكان تواجدهم!

أركان السلطة الذين لم تظهر عليهم عوارض الدولة طيلة ثلاث سنوات من عمر خطف عرض الدولة وشرفها، انتابتهم فجأة عوارض الدولة، وباتوا أبناء "دولة غير قاتلة"، لا تقبل بقتل من قتل جنودها، وإنّما ترحّلهم برقي على متن باصات مكيّفة خوفاً على "إنسانيتهم"، ومعهم أسلحتهم الفردية التي يدافعون بها عن "شرفهم".

من أين أتى هؤلاء، الذين لم تظهر عليهم يوماً عوارض الوطنية والأخلاقية، بهذه "الإنسانية"؟ سؤال لا جواب له.

أسئلة كثيرة لا أجوبة لها في بلد العجائب. سألنا كثيراً في وقت سابق لماذا لا تقبض الدولة على "أبو طاقية" ولم نحصل على جواب رسمي، وكان الجواب غير الرسمي كيف ستقبض الدولة على "أبو طاقية" ولا تقبض على السلطة التي أعطت الأمر بإيقاف الأعمال العسكرية، مع علمها المسبق باختطاف جنودنا.

بالأمس كشفت محطة "الجديد" النقاب عن "جلسة إرهاب" كان "بطلها" أبو طاقية، حيث ظهر بالصوت والصورة وهو يستجدي "أبو مالك التلة" للبقاء في عرسال. أبو طاقية الذي كان شريكاً في خطفهم، عيّنه "أصحاب الطواقي" وسيطاً لإعادتهم إلى أحضان أهلهم!

معادلة غريبة عجيبة تعكس صورة وضع غريب عجيب فُرض علينا كلبنانيين، ولكن هل نستمرّ بالسكوت عن القتلة؟

لن تستقيم عدالة في هذا البلد من دون محاكمة بمفعول رجعي لـ"أبو طاقية" ولكلّ أصحاب "الطواقي" و"السواقي" و"تجار السياسة" الذين أسقطوا الدولة في 2 آب وصادروا قرار الجيش.. فهل يُرفع الغطاء عن "الطواقي"؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.