ثورة العسكر!

قائد الجيش يضرب على الطاولة: "الأمر لي"

/ خضر طالب /

لا ينطبق على لبنان ما ينطبق على غيره من الدول الشقيقة والصديقة: الانقلابات العسكرية غير موجودة في القاموس اللبناني.

يسجّل التاريخ محاولتان فاشلتان لتنفيذ انقلاب عسكري: الأولى في العام 1961 عندما حاول ضباط من الجيش يؤيدون الحزب السوري القومي الاجتماعي تنفيذ انقلاب ضد الرئيس فؤاد شهاب. والثانية عندما نفّذ اللواء عزيز الأحدب انقلاباً متلفزاً في 1976 ضد الرئيس سليمان فرنجية.

سوى ذلك، لم تحصل محاولات أخرى لتنفيذ انقلاب عسكري يطيح بالسلطة السياسية في لبنان، وذلك لعدة أسباب:

ـ إن التركيبة اللبنانية المتنوعة التي فرضت صيغة حكم قائمة على توازنات مرتبطة بكل مرحلة، لا تسمح بانقلاب عسكري ينفّذه ضابط، أو مجموعة، لأن مظلّة الحماية السياسية سوف تُرفع عنه من طائفته للتبرّؤ من دم الصيغة والتوازنات.

ـ إن المؤسسة العسكرية كانت قبل الطائف، وخصوصاً قبل اندلاع الحرب في العام 1975، جزءاً رئيساً من تركيبة حماية النظام التي تمسّك بمفاصله "المارونية السياسية". وقد كانت قيادة هذه المؤسسة معنية بالدفاع عن ذاك النظام، وبالتالي لم تتسلّل إليها فكرة الإطاحة بالنظام.

ـ إن الجيش نجح في ترسيخ عقيدة تتجاوز الطوائف والمذاهب، وبأنه ذراع الدولة وحاميها، وبالتالي لا يمكن له خيانة هذه العقيدة.

لكن ذلك لا يعني أبداً أن المؤسسة العسكرية بقيت بعيدة عن ممارسة السلطة والحكم. فقد كان الجيش ينتقل بسهولة من اليرزة إلى القصر الجمهوري تحت مظلّة الرئيس.. أو بالرئيس نفسه.

المرة الأولى التي انتقل فيها الجيش إلى رئاسة الجمهورية كانت مع انتخاب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية. وعلى الرغم من أن الرئيس شهاب ارتدى ثياباً مدنية في القصر الجمهوري، إلا أن "المكتب الثاني" (جهاز المخابرات) أمسك بالسلطة، وتدخّل في السياسة والإدارة، وتحكّم بكثير من مفاصل النظام اللبناني.

واستمر "حكم المكتب الثاني" في عهد الرئيس شارل حلو، إلى أن تم انتخاب الرئيس سليمان فرنجية الذي كان على خصومة كبيرة مع "المكتب الثاني"، وقد عمل فرنجية على تعطيل دور "المكتب" في السياسة والإدارة ومفاصل الدولة، وانكفأ الجيش إلى دوره العسكري، حتى اندلاع الحرب في العام 1975 حين كلّف الرئيس فرنجية العميد نور الدين الرفاعي بتشكيل حكومة عسكرية لم تستطع أن تستمر أكثر من 37 يوماً ولم تمثل أمام المجلس النيابي لنيل الثقة. وبعدها انقسم الجيش وتعطّل دوره كمؤسسة حامية للوطن.

بقي الجيش خارج تركيبة السلطة إلى حين تكليف قائد الجيش في العام 1988 العماد ميشال عون ترؤس حكومة عسكرية تضم أعضاء المجلس العسكري. لكن ذلك زاد في حالة الانقسام التي ضربت المؤسسة العسكرية، وصولاً إلى مشهد نافر عندما احتفل لبنان بعيد الاستقلال عبر عرضَيْن عسكريَيْن لـ"جيشَيْن" لبنانيَيْن.

أما عودة الجيش إلى تركيبة السلطة، فقد حصلت في العام 1998 مع انتخاب قائد الجيش العماد آميل لحود رئيساً للجمهورية. وقد حاول لحود تكرار تجربة فؤاد شهاب الاستعانة بالجيش لإدارة الدولة في الظلّ، وكادت "غرفة الأوضاع" التي أنشأها في القصر الجمهوري أن تكون حكومة ظلّ عسكرية أو نسخة جديدة لـ"المكتب الثاني"، لكن محاولته ما لبثت أن اصطدمت بتوازنات البلد ودور سوريا في رعاية تلك التوازنات وحمايتها وتنظيم الأدوار والمواقع فيها.

الانتقال التالي للجيش إلى النظام كان مع قائد الجيش أيضاً العماد ميشال سليمان الذي انتخب رئيساً للجمهورية. لكن سليمان انتقل لوحده من اليرزة إلى بعبدا، بينما كان تكرار انتخاب قائد الجيش في الرئاسة حافزاً لقائد الجيش التالي العماد جان قهوجي ليضع نصب عينيه خريطة طريق الانتقال إلى بعبدا بعد انتهاء ولاية سليمان، إلا أن حساباته اصطدمت بوقائع مناقضة لطموحه، فانتخب قائد الجيش السابق العماد ميشال عون رئيساً.

في المحصلة، من بين 13 رئيس جمهورية بعد الاستقلال، وصل 4 من قادة الجيش إلى رئاسة الجمهورية، علماً أن من بين الرؤساء الـ13 رئيسين اغتيلا بعد أسابيع من انتخابهما، ما يعني بالتالي أن نحو ثلث رؤساء الجمهورية هم من قادة الجيش اللبناني.

كل هذا العرض التاريخي، يؤدي إلى استنتاج واحد مفاده أن "ربيع العسكر" المزدهر في المنطقة العربية هذه الأيام، لا تربة صالحة ليُزهر في لبنان.. إلا بالانتخاب، علماً أن الجيش يشكّل نقطة تقاطع اللبنانيين، وهو الإطار الوحيد الذي يخترق الحصون الطائفية والمذهبية والسياسية والمناطقية، والأكثر شعبية وتمثيلاً للبنانيين.

لكن "ربيع العسكر" الذي يقف عند حدود لبنان، لا يعني أن الإجراءات التي وضعتها الحكومة في مشروع الموازنة ستتحول إلى خريف على الجيش اللبناني، وذلك بتحويله إلى عصا تركيبة النظام أو إلى مكسر عصا للسلطة السياسية!

ما قاله قائد الجيش العماد جوزاف عون كان خارجاً عن المألوف في أدبيات الجيش وخطاباته. لكن الكيل طفح كثيراً، ولم يعد بمقدور الجيش اللبناني الاستمرار بالصمت، وكان لا بدّ من الضرب على الطاولة، ورفع الصوت، وقول الكلام الواضح والصريح، والتعبير عن حالة الاعتراض ـ الامتعاض التي يعيشها الجيش، حتى ولو أصابت "ثورة العسكر" كل أهل السلطة والسياسة.

صرخة العماد جوزاف عون تتجاوز في شكلها ومضمونها ونبرتها، مجرّد الاعتراض على إجراءات التقشّف التي طالت المؤسسة العسكرية.

في مضمون الكلمة مجموعة دلالات لا بد من التوقّف عندها:

ـ تعمّد قائد الجيش أن يقول كلامه من متحف الرئيس الراحل اللواء فؤاد شهاب. الرسالة بالغة الدلالة والأهمية، لما يشكّله الرئيس الراحل من نموذج مثالي لقائد جيش ورئيس جمهورية ترك بصماته الناصعة في تاريخ لبنان وحاضره، وهذا ما أشار إليه بوضوح العماد عون في كلمته.

ـ وجّه العماد عون رسالة واضحة وصريحة إلى السلطة السياسية محمّلاً إياها مسؤولية "كشف أمن المواطن" في ظل الوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي الذي لا يزال بحاجة إلى جهوزية كاملة من الجيش. وفي هذه الرسالة، يرمي قائد الجيش الكرة في ملعب السلطة السياسية لتتحمّل مسؤولية دفع الجيش إلى "التقشّف الأمني" بسبب التقشّف المادي.

ـ إن الجيش يشعر بوجود نوايا مبيّتة لاستهدافه، وهو يحتفظ "بحقّ الردّ" في التوقيت الذي يريده.

ـ إن الجيش لا يقتصر على العسكريين في الخدمة، فالمتقاعدون هم جزء من المؤسسة العسكرية بعد أن خدموها بشرف وتضحية ووفاء.

ـ لا يمكن للجيش السكوت عن محاولة تشويه صورته ورمي كرة المديونية العامة عليه.

ـ حسم قائد الجيش مرجعية التدابير العسكرية، وكان موقفه واضحاً: "الأمر لي"، وبالتالي فإنه وجّه رسالة حازمة بأن الاقتراح الذي سيتقدّم به إلى المجلس الأعلى للدفاع يجب أن يؤخذ به كما هو، ملمّحاً إلى أن لا مكان للتدبير رقم 1 في حالة الجيش الحالية.

ـ سجّل العماد عون اعتراضاً شديداً على قرار وقف التطويع في الجيش بصفة جنود أو تلامذة ضباط، محذّراً من الانعكاسات السلبية على هيكلية الجيش وهرميته والخلل في توازنات الترقيات، ومخالفة ذلك لقانون الدفاع.

قال الجيش كلمته، وقد تركت صداها حيث يجب، والأكيد أن تعاطي السلطة السياسية مع قضايا الجيش انقسم بين مرحلتين: بعد خطاب قائد الجيش ليس كما قبله.. ونقطة على السطر.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.