الموازنة في الأمتار الأخيرة.. والمتقاعدون ربحوا جولة

 ضرب العسكريون المتقاعدون ضربتهم، فأربكوا الحكومة والقوى السياسية التي كانت لديها نزعة استهدافهم بشكل مباشر على اعتبار أنهم "فئة غير منتجة"!

نظرياً، يمكن القول إن العسكريين المتقاعدين ربحوا جولة من معركتهم لحماية حقوقهم وحقوق زملائهم في الخدمة. لكن هذا الفوز ما يزال يحتاج إلى تأكيد طالما أن النقاشات مستمرة في مجلس الوزراء، وطالما أن مشروع الموازنة لم تتم إحالته إلى مجلس النواب.

وقد جاء اعتصام هيئة التنسيق النقابية في ساحة رياض الصلح، ثم تحرّك العسكريين المتقاعدين نحو مدخل السراي الكبير أثناء انعقاد الجلسة 16 للحكومة لإنجاز الموازنة، ليفرض نفسه كتحذير بسقف مرتفع جداً في وجه الحكومة والقوى السياسية، وذلك بعد أن سادت معلومة نقلاً عن وزير الدفاع الياس بو صعب أنه لم يعد قادراً على حماية حقوقهم داخل مجلس الوزراء بسبب النزعة التي كانت سائدة لقضم جزء من مستحقاتهم.

وفوجئ الوزراء بسرعة تحرّك العسكريين المتقاعدين ووصولهم بسهولة كبيرة إلى مداخل السراي الكبير. وفي ظل الخشية من تصعيد المتقاعدين تحرّكهم أكثر من النقطة التي وصلوا إليها، تم صرف النظر عن مناقشة اقتطاع نسبة من رواتبهم، في ظل انطباع بين بعض الوزراء أن العسكريين في الخدمة ربّما كانوا راضين عن تحرّك المتقاعدين، وأنهم ربما تساهلوا معهم والسماح لهم بخرق خطوط حماية السراي الكبير وصولاً إلى بوابتها الرئيسية.

لكن ما تحقّق أمس بالنسبة للعسكريين المتقاعدين، قد لا ينسحب على العسكريين في الخدمة، خصوصاً بالنسبة للتدبير رقم 3 الذي أُحيل إلى المجلس الأعلى للدفاع الذي يفترض أن ينعقد خلال اليومين المقبلين، بعد أن عاد قائد الجيش العماد جوزاف عون من زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية، وذلك لحسم الخيارات المطروحة بالنسبة للتعامل مع التدبير رقم 3، وكيفية تصنيف التدابير 1 و2 و3 على وحدات الجيش اللبناني وعلى المؤسسات العسكرية المختلفة من قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والجمارك وشرطة مجلس النواب.

وعليه، فإن العسكريين المتقاعدين يتعاملون بحذر مع الوعود التي قطعت لهم. وهذا الحذر يسود أيضاً مختلف فئات موظفي القطاع العام، وذلك في انتظار إقرار مشروع الموازنة بصيغته النهائية.

لكن تحرّك العسكريين المتقاعدين سيفرض نفسه على المناقشات الجارية في الحكومة، وعلى الأرجح فإن القوى السياسية ستكون أكثر حذراً في التعاطي مع حقوقهم.

وعليه، فإن الموازنة العامة تكون قد قطعت المسافة نحو إنجازها، وهي في الأمتار الأخيرة الفاصلة عن إقرارها بصيغتها الكاملة. وتردّد أن الجلسة 16 ستكون ما قبل الأخيرة، أي أن جلسة اليوم التي تحمل الرقم 17 ستكون الجلسة التقنية الأخيرة قبل الجلسة الختامية التي تنعقد في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، لإقرار مشروع قانون الموازنة بصيغته النهائية وإحالته إلى مجلس النواب.

وقد تمكّنت الحكومة في الجلسة 16 من الوصول الى هدفها بتخفيض نسبة العجز الى حدود 7.6 في المائة، في حين بلغت الايرادات 20 ألف مليار ليرة مقابل نفقات تبلغ أكثر من 23 ألف مليار ليرة، وإن كانت هناك شكوك في تحقيق هذه النسبة نظراً للتقديرات المتوقّعة في بند الإيرادات.

وتضمّ بنود الموازنة قرارات لتحسين الواردات وخفض النفقات في وزارات وقطاعات وابواب معينة، والحد من العمالة الاجنبية التي تشكل مضاربة على اليد العاملة اللبنانية، وضبط التهرب الجمركي والضريبي، وذلك عبر قرارات او مراسيم ستتخذ.

وقد اتفق على زيادة 2 في المئة على الرسوم الجمركية للبضائع المستوردة كافة، باستثناء الأدوية، حتى أواخر العام 2022. وقد عارض هذا القرار وزراء "حزب الله" وحركة "أمل" وتيار "المردة". فقد اعتبر هؤلاء أن هذه الضريبة ستطال كل اللبنانيين من ذوي الدخل المحدود والمتوسط والمرتفع، ما يجعلها ضريبة ظالمة، فضلاً عن أنها سترتفع في السوق إلى 4 أو 5 في المئة. وأصرّ رئيس الحكومة سعد الحريري و"التيار الوطني الحرّ" على أن هذا الرسم سيؤدي إلى حماية الإنتاج المحلي ودعم الصناعة، فطرح وزراء "حزب الله" و"أمل" و"المردة" بأن تشمل الضريبة المواد التي لها بديل في السوق المحلي، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة تجنّب الاحتكار عند حماية الإنتاج المحلي. واقترح الوزير محمد فنيش بحث رفع الضريبة على المواد التي لها بديل من إنتاج لبناني، لكنّ عدداً من وزراء "المستقبل" و"لبنان القوي" أشاروا إلى أن هذا الإجراء لا يأتي بواردات كبيرة للخزينة. وحظي الاقتراح بدعم أكثرية الحاضرين، ولم يعترض عليه سوى الوزراء السبعة (أمل وحزب الله والمردة).

وعارض وزراء "حزب الله" أن تخضع رواتب المتقاعدين لضريبة الدخل، بحجة أن رواتبهم هي نتيجة لحسومات متراكمة من رواتب مشمولة أصلاً بضريبة الدخل، ما يعني أن المتقاعد سبق له أن دفع الضريبة على راتبه التقاعدي عندما كان لا يزال في العمل، وانه كان من واجب الدولة، وبموجب قانون صادر في التسعينيات، أن تقوم بتأسيس صندوق تجمع فيه هذه الحسومات، وتشغيلها، لكنها لم تفعل.

ومن القرارات التي اتخذت أيضاً، فرض رسم 500 الف ليرة على الزجاج الداكن للسيارات، و200 ألف على رخص السلاح، وهو ما اعترض عليه وزراء "القوات اللبنانية" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" معتبرين ان ذلك من شأنه ان يُشرّع حمل السلاح وتركيب الزجاج الداكن.

كما تم فرض رسم مقطوع الف ليرة "على كل نفس ارجيلة في المطاعم والفنادق".

وطرح وزير المهجرين غسان عطا الله موضوع شركات بيع مواد طب الاسنان التي يديرها سوريون بغطاء من لبنانيين، خصوصاً بوجود المعابر غير الشرعية والتهرب الضريبي وتمنى على الجميع التعاون لمعالجة هذه المسألة، وقد وعد وزيرا الاقتصاد منصور بطيش والعمل كميل ابو سليمان بالتحرك فورا.

ومن بين المواضيع التي طرحت للنقاش قضية الناجحين في مجلس الخدمة المدنية لجهة حماية حقوقهم في ظل خلاف حول امكانية تعيينهم بعد قرار مجلس الوزراء بوقف التوظيف. واتخذ القرار بحفظ حقوقهم في التوظيف، مع العلم ان الوزراء انقسموا بين مؤيد للتوظيف كونهم نجحوا في الامتحانات وبين معارض بإعتبار انه يجب التقيد بوقف التوظيف.

كما نصّ مشروع الموازنة على بند يجيز للحكومة إعادة القضاة الذين نقلوا من ملاكي القضاء العدلي والمالي ولم تنته خدماتهم الى ملاك القضاة الذي كانوا منتسبين إليه، بالدرجة الاقرب الى رواتبهم. كذلك تُحدد هذه المادة المدة القصوى لانتداب قضاة مجلس شورى الدولة إلى وظائف إدارية أخرى، بست سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.