"مناوشات" ساخنة على "خط التماس" بين الحكومة والموظفين

بلغت "الإجراءات المؤلمة" خطّ التماس الفاصل بين الحكومة والموظفين العسكريين والمدنيين والمتقاعدين، فبدأت "المناوشات" التي تؤشّر إلى أن المواجهة ستكون ساخنة جداً، وأن لهيب الدواليب التي أنذر بها العسكريون المتقاعدون السلطة السياسية قد يتمدّد في الشارع وربما يخنق الدخان الأسود الحكومة.

هي إذاً عيّنة من الاحتجاجات، ومن مجموعة واحدة، وهي تقدّم نموذجاً عما تحمله الأيام المقبلة من التحركات التي تستعد لها معظم القطاعات الوظيفية في البلد، خصوصاً أن التضامن الموضوعي بين هذه القطاعات، يعطّل التأثير السياسي على قيادات الهيئات النقابية التي وصلت السكين إلى رقابها، وبالتالي هي غير قادرة على إدارة ظهرها أو دفن رؤوسها في الرمال.

في هذا الوقت، كانت الحكومة وكأنها تصمّ آذانها في محاولة لعدم تأثّر مناقشات الإجراءات المؤلمة بما يجري في الشارع وبالتهديدات المتصاعدة من الهيئات النقابية للموظفين. وهي ستكون على موعد مع جلسة حاسمة عند التاسعة والنصف من مساء الأحد لاستكمال دراسة ما تبقى من بنود.

وقد باشرت الحكومة مناقشة البنود الصعبة، ومن بين أبرزها ما يتعلّق بالأسلاك العسكرية، حيث قدّم عرض الدفاع الياس بو صعب وجهة نظره لتخفيض موازنة الجيش اللبناني، وذلك عبر اعتماد الإجراءات التالية:

ـ رفع سن الخدمة الى 23 سنة خدمة بدل 18.

ـ رفع سن الخدمة للضابط من عشرين سنة خدمة الى 25سنة.

ـ اضافة 3 سنوات لخدمة ضباط الاختصاص، من 15 الى 18 سنة خدمة، ليحق لهم طلب التقاعد ويستفيدوا من معاشات التقاعد.

ـ حصر تطبيق التدبير رقم 3 على العسكريين في المواجهة مع العدو الإسرائيلي.

ـ يطبق التدبير رقم واحد على سائر العسكريين (الذي يُعطي لكل عسكري تعويض شهر ونصف شهر عن كل سنة خدمة).

ـ الغاء قرار الحكومة عام 1991 تكليف الجيش حفظ الامن في الداخل (المرسوم رقم 1 تاريخ 1991).

ـ تتولى قوى الامن الداخلي مسؤولية الامن ليعود الجيش الى ثكناته من دون استنفار دائم يرتب اعباء مالية.

ـ تنحصر مهمات الجيش على الحدود والمناطق المحيطة بالمخيمات الفلسطينية، ولا يتدخل في الداخل إلا لمؤازرة قوى الأمن الداخلي وبناءً على طلبها.
لكن خطة وزير الدفاع لم يوافق عليها رئيس الحكومة سعد الحريري، خصوصاً أنها ستؤدي إلى تطبيق التدبير رقم 1 على جميع الأسلاك العسكرية (قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة)، وهذا ما عبّرت عنه وزيرة الداخلية ريا الحسن. واقترح الحريري تطبيق التدبير رقم 2 على جميع العسكريين في جميع الأسلاك العسكرية (يُعطي تعويض شهرين عن كلّ سنة خدمة)، وأن يبقى الوضع على ما هو عليه بالنسبة للمرسوم رقم 1 الذي ينص على تكليف الجيش حفظ الامن في الداخل، وفي حال أُريد الفصل بين المهمات العسكرية والداخلية، أن يكون هناك قطاعات يُطبق عليها التدبير الرقم 3 وأخرى التدبير الرقم 2. لم يوافق وزير الدفاع على ذلك، وقال إنّه لا يُمكن شمل العسكري الذي يُرابض على الحدود بالتدبير الرقم 2، مثله مثل العسكري الذي يُمارس الخدمة المدنية والمكتبية، وفي الوقت نفسه إبقاء الجيش مكلفاً بالأمن الداخلي. وقد عبّر بو صعب عن رفضه لطرح الحريري والحسن خلال الجلسة، وتقرّر أن يعقد وزيرا الدفاع والداخلية اجتماعا قبل يوم الاثنين المقبل للاتفاق على تدابير مشتركة تخص السلكين العسكري والامني، على أن تعرض الحسن في الجلسة المقبلة دراسة حول الموضوع.

الرواتب والتقديمات

وفي موضوع الرواتب والتقديمات، للعسكريين والمدنيين، فإن كل التطمينات السابقة بأن الرواتب لن تُمسّ بدت كأنها مخدّر، حيث باشرت الحكومة دراسة اقتراع اقتطاع جزء من الرواتب والمنح المدرسية.

في بند الرواتب، يدور النقاش بين اقتراحين:

ـ الأوّل، اقتطاع نسبة من الراتب بنسبة تتراوح بين 15 و20٪ من أصل الراتب. أمَّا الفئات الوظيفية التي سيشملها، فلم يحسم وضعها، وان كان ثمة اقتراح بتحييد أصحاب الرواتب ما دون الثلاثة ملايين ليرة لبنانية.

ـ الثاني تجميد جزء من الراتب (20 %)، على ان يوضع كسندات خزينة على مدى ثلاث سنوات، ويعود إلى الموظف مع فائدته.

ويبدو أن رئيس الحكومة يميل إلى الاقتراح الثاني، في حين وزراء "التيار الوطني الحر" يؤيدون الاقتراح الأوّل.

أما بالنسبة للمنح المدرسية التي تعطى للعسكريين والموظفين المدنيين، فإن القرار هو بتخفيضها بنسبة 15 %، واستثناء الموظفين التابعين لتعاونية موظفي الدولة من التخفيض.

وفي ما يتعلّق القرار بتخفيض رواتب السلطات العامة (رؤساء ووزراء ونواب)، بنسبة 50 في المائة، فإن القرار ما يزال قيد النقاش، بسبب اعتراض العديد من الوزراء والنواب لأن مصدر دخلهم الوحيد هو هذا الراتب. ولذلك يجري البحث بصيغة معينة تؤدي إلى "تبرّع" المقتدرين من الوزراء والنواب برواتبهم.

القطاع المصرفي

هذا بالنسبة للموظفين، المدنيين والعسكريين. أما بالنسبة للقطاع المصرفي، فقد تم إقرار ضريبة الـ 10% على الفوائد المصرفية، لمدة ثلاث سنوات فقط. سيتم خفضها إلى 7% بعد ثلاث سنوات، وربما 5% كما أعلن وزير الإعلام جمال الجراح.

وهي خطوة، ليست جزءاً من سياسة ضريبية. فهذه الفوائد التي ارتفعت لا تزال أدنى من ضريبة الدخل على الشركات (17%) وضريبة الأفراد (التي تصل بعد استحداث شطر جديد إلى 25%).

الاحتجاجات

واصلت مختلف قطاعات الموظفين المتضررين من إجراءات الحكومة، التحركات الاحتجاجية.

وتابع أساتذة الجامعة اللبنانية إضرابهم المفتوح حتى ضمان إقرار الحكومة للموازنة دون المس برواتب الأساتذة وتقديماتهم، وذلك على الرغم من الضغوط التي مارستها القوى السياسية لوقف هذا الإضراب. ونفذت فيه رابطة الأساتذة المتفرغين، اعتصاماً امام وزارة التربية رفضاً للمساس بالرواتب والتقديمات الاجتماعية.

أما هيئة التنسيق النقابية، فأعلنت الإضراب اليوم، وتنتظر الهيئة من الجمعيات العمومية التي ستعقدها الروابط المكونة لها تفويضها بالتصعيد، وصولاً إلى الإضراب المفتوح. بينما طالب التيار النقابي المستقل وتجمع الموظفين المستقلين بالبقاء في الشارع، والتحضير لمقاطعة التصحيح في الامتحانات الرسمية وتعطيل العمل في الإدارات والمؤسسات العامة.

أما التحركات الأبرز، والتي تنذر بأنها ستكون الأكثر فاعلية في الضغط على الحكومة، فقد جاءت من العسكريين المتقاعدين الذين نفّذوا اعتصاماً في ساحة رياض الصلح، وقاموا بإحراق الدواليب، بانتظار إعلان الحكومة سحب المواد 55 و57 و58 من قانون الموازنة والمتعلقة بالمس بمكتسباتهم، ملوحين بالتصعيد: من الاعتصام وصولاً إلى تعطيل البلد.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.