هل تُحفظ قضية العسكريين الشهداء "لعدم كفاية الدليل"؟!

** خضر طالب **

على وقع الحزن الذي يلفّ لبنان، فتح السجال السياسي الذي يجادل في المسؤولية عن مصير العسكريين الذين انتقلوا من خانة "المخطوفين" إلى مرتبة "الشهداء".

الجدال الدائر، وبالطريقة التي يحصل فيها، لن يوصل إلى نتيجة بتحديد المسؤولين عن هذا الملف. لكنه سيستمر على طريقة "الزجل" في سياق تصفية الحسابات السياسية، وعلى الأغلب أنه لن يصل إلى نتيجة، وسيتم القفز إلى جدال آخر يشغل الناس عن هذه القضية الوطنية.

لا رهان على القرار السياسي.. هذه المسلّمة صارت ثابتة في قناعات اللبنانيين. وما الضجيج السياسي اليوم إلا محاولة لامتصاص نقمة اللبنانيين وانفعالهم العاطفي والإنساني. بينما يراهن السياسيون على أنه بعد أن يغادر أهالي العسكريين الشهداء خيمهم في ساحة رياض الصلح، سوف يدخلون في النسيان هم وأبناؤهم الشهداء.

أما الحديث عن تشكيل لجنة أو فتح تحقيق سياسي، فإن جميع اللبنانيين لديهم ثقة عمياء أن أي تحقيق لن يصل إلى الحقيقة في المسؤولية عما حصل في 2 آب 2014، ولماذا لم يسارع الجيش اللبناني إلى تحرير أسراه.

سيُطوى الملف، سياسياً، بعد أن يحتفل قسم من اللبنانيين بـ"التحرير الثاني"، وبعد أن يدفن أهالي العسكريين شهداءهم، وبعد أن يخفت الضجيج والجدال والاشتباك السياسي، وبعد أن يرتفع النقاش في آليات عقد الصفقات وتتصاعد رائحة النفط والمازوت والفيول من المناقصات الآتية بإسم تأمين الكهرباء للبنانيين.

لكن، هل هذا يعني أن قضية العسكريين الشهداء ستصبح في النسيان؟

وهل يمكن أن يسمح اللبنانيون بأن يُطوى هذا الملف من دون محاسبة أحد؟

هل يتحمّل تنظيم "داعش" وحده مسؤولية قتل العسكريين؟

هل رئيس الحكومة آنذاك تمام سلام هو الذي منع الجيش من استعادة عسكرييه، أم أن الفريق السياسي الذي ينتمي إليه سلام هو الذي فرض هذا القرار؟ أم أن "حزب الله" كانت له يدٌ خفية في ما حصل ثم في منع الجيش من القيام بأي خطوة؟

وهل كان الجيش اللبناني عاجزاً عن استرداد عسكرييه، أم أن القرار السياسي هو الذي وضع الجيش في المحظور الذي قيّد الجيش ومنعه من استعادة هيبته؟

هل كان الجيش ضعيفاً وغير قادر على المبادرة؟ أم أنه كان حكيماً في عدم الانزلاق إلى معركة ستكون نتائجها أكبر من خسارة "بضعة عسكريين" تم اختطافهم غدراً؟ أو أن قيادة الجيش كانت رهينة الحسابات السياسية والطموحات الشخصية التي جمّدت دور الجيش في طرابلس على مدى ثلاث سنوات.. ثم في عرسال على مدى ثلاث سنوات أيضاً؟

هل ستمرّ قضية العسكريين الشهداء كغيرها من القضايا التي أكلها النسيان؟

طرح هذ الأسئلة ليس في سياق الدوران في حلقة مفرغة، كما تفعل القوى السياسية التي تتقاذف المسؤولية عما جرى وترمي من أعناقها دماء الشهداء. الأسئلة هنا هي في سياق حصر النقاش للذهاب إلى تحديد المسؤوليات.

صحيح أن المحاسبة في لبنان غير موجودة في قاموس القوى السياسية التي حكمت لبنان على مدى التاريخ، وهي طبعاً غير موجودة اليوم.. فلم يسبق أن وصل تحقيق إلى نهاياته الحقيقية من دون كيدية ـ أو تسوية سياسية. لكن الصحيح أيضاً، أنه من غير المسموح أن يمرّ ما حصل وكأنه "إشكال فردي"!

أمام قيادة الجيش الحالية، التي أثبتت ـ حتى اليوم ـ كفاءة عالية وشعوراً كبيراً بالمسؤولية وأداءً تُرفع له القبعات احتراماً، فرصة احتضان الالتفاف الشعبي الوطني العارم حولها، بعد أن استعاد اللبنانيون ثقتهم بالمؤسسة العسكرية وبقدرتها على حمايتهم، بأن تفتح هي بنفسها تحقيقاً عسكرياً لتحديد المسؤوليات عن ما حصل في 2 آب 2014 وما تلاه، حتى لا تذهب دماء الشهداء هدراً.

الثقة بقائد الجيش العماد جوزاف عون كبيرة جداً، وهو أثبت ـ حتى اليوم ـ نظافة وشفافية ومصداقية ومناقبية وكفاءة قيادية، تزيد من اطمئنان اللبنانيين إلى هذه المؤسسة الوطنية وترسّخ رهانهم عليها.

وانطلاقاً من هذه الثقة، وهذا الموقع الذي اكتسبه قائد الجيش سريعاً عند اللبنانيين، فإن المبادرة هي في عهدة الجيش وقيادته لفتح تحقيق عسكري يكشف خفايا القرار الذي كسر هيبة الجيش اللبناني.

فلنصل على الأقل إلى جواب مقنع على السؤال المركزي: المسؤولية سياسية أم عسكرية؟ مع أننا نعرف مسبقاً أن التسويات السياسية ستفرض نفسها، لاحقاً، فيُطوى التحقيق ويُحفظ.. لـ"عدم كفاية الدليل"!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.