"ربيع طرابلس": أكبر من "هزّة" انتخابية؟

قراءة في نتائج الانتخابات الفرعية.. ودلالاتها

/ خضر طالب /

انتهت الانتخابات النيابية الفرعية في طرابلس برسالة صارخة وجهها الطرابلسيون إلى القوى السياسية.

لكن، وكما درجت العادة، سيعود الهدوء إلى طرابلس، وسيقفل السياسيون أبوابهم وهواتفهم مجدداً، لأن موعد الانتخابات المقبلة ما زال بعيداً، مبدئياً، وذلك على الرغم من الرسالة القاسية التي وجهتها المدينة إليهم.

الرهان دائماً هو على أن "طيبة الناس" وعلى "النسيان" وعلى "الظروف المتغيرة"… وإذا لم يحصل ذلك، فإن الاستثمار في الشعارات السياسية جاهز حتى ولو أشعل الفتنة!

أما طرابلس، فستعود إلى معاناتها ويومياتها المؤلمة، وإلى البحث عن موقعها السياسي وتأثيرها ودورها… بينما ستنام الوعود في أدراج "الواقعية" مجدداً بسبب "الظروف"، في انتظار محطة انتخابات أخرى!

وأما الطرابلسيون، فسيكتشفون مجدداً أنهم لُدغوا مجدداً من جحور السياسة وجحود السياسيين، وسيعودون إلى يومياتهم المضنية وإلى ممارسة سياسة "النقّ" التي لن تأتي إليهم بـ"شقّ تمرة"!

لن تخضع النتائج إلى دراسة ولا إلى قراءة ولا إلى استدراك مضمون رسائل نتائجها… هي مجرّد عبارات إنشائية تأتي في سياق سياسة الاحتواء التي احترفها السياسيون. وبالتالي، لن يكون هناك تغيير في أداء هذه الطبقة السياسية.

هذا ما حصل بعد الانتخابات البلدية قبل ثلاث سنوات، عندما وجه أبناء المدينة صفعة قوية لهذه القوى السياسية نفسها، فانطلقت الوعود بـ"دراسة" ما حصل، و"معالجة الأسباب"، و"فهم" واقع طرابلس، و"تفهّم" معاناة الناس… لكن شيئاً لم يتغيّر، على العكس، فإن ما حصل هو مزيد من إدارة الظهر للناس، وإمعان في إهمال مطالبهم، وإقفال الهواتف والآذان أمام تردّدات أصواتهم.

وهو الأداء ذاته الذي حصل بعد الانتخابات النيابية العامة قبل سنة، عندما انقطع هؤلاء عن الناس، وغابوا عن السمع ظنّاً منهم أن الانتخابات التالية ما تزال بعيدة زمنياً.

لكن الحقيقة التي لن يستطيع أحد القفز فوقها هي أن "ربيع طرابلس" قد بدأ بأقل من زلزال انتخابي وأكبر من هزّة، وأن النتائج تكشف عن حقائق ومعطيات تؤسّس لواقع جديد في المدينة، وتفتح الباب أمام المحاسبة الانتخابية، بعد أن شكّل تدنّي نسبة الاقتراع أرضية يمكن البناء عليها لتطوير الاعتراض من المقاطعة والانكفاء إلى المحاسبة عبر الانتقال من التصويت السلبي إلى خيارات أخرى أكثر مباشرة.

كيف يمكن قراءة هذه الانتخابات ونتائجها؟

يسجّل لوزارة الداخلية أنها تعاملت بحيادية تامة مع الوقائع الانتخابية. كما أن الوزيرة ريا الحسن، التي تنتمي إلى تيار "المستقبل" الذي رشّح ديما جمالي، لم ترتكب أي هفوة توحي بأنها متعاطفة شكلاً أو مضموناً مع مرشّحة تيارها السياسي، وهي بذلك قدّمت أداء نظيفاً وجيداً، وإن ظهرت بعض الشكاوى من تأخر محافظ الشمال في منح تراخيص المندوبين لباقي المرشحين.

كما أنه لم يسجّل أي نشاط انتخابي ظاهر للأجهزة الأمنية التي اقتصر حضورها على الجانب الأمني فقط، ونجحت في تأمين أفضل الظروف الأمنية لحماية الانتخابات.

أما سياسياً، فيمكن تسجيل سلسلة ملاحظات هي بمثابة مؤشرات إلى ما أنتجته الانتخابات الفرعية من وقائع.

تشكّل نسبة الاقتراع المتدنّية بشكل حاد، علامة فارقة في الانتخابات، لكنها تشكل أيضاً رسالة اعتراض شعبية على أداء الطبقة السياسية، وإن اتخذت قبل الانتخابات طابعاً شخصياً ضد الدكتورة ديما جمالي التي تعرّضت لحملة شرسة ساهمت هي نفسها في إعطائها "ذخيرة" كافية لاستهدافها.

أما القول بأن تدنّي نسبة الاقتراع "طبيعي" في الانتخابات الفرعية، وفي ظل غياب المنافسة، فإن في ذلك إساءة لرأي الناخبين الذين لم يشاركوا في هذه الانتخابات بقناعة أو بلامبالاة، خصوصاً أن المروحة السياسية التي تحالفت لدعم ديما جمالي يفترض أن تؤمّن زخماً كافياً للناخبين، وإلا ما معنى هذا التحالف إذا لم يكن معنياً بالمشاركة في الانتخابات؟ كما أن الماكينات الانتخابية لأعضاء هذا التحالف بذلت جهوداً لحث "العصب الانتخابي" على المشاركة، لكن ذلك لم يؤدِ إلى النتيجة المطلوبة. وقد كان لافتاً أن التصويت في مدينة طرابلس الإدارية لم يتجاوز نسبة الـ7%، في حين أن المشاركة ارتفعت في كل من البداوي والقلمون والميناء، وهو ما رفع نسبة الاقتراع إلى 12.55%. وهذا ما يؤشّر إلى أن المقاطعة واللامبالاة في مدينة طرابلس كانت بنسبة 93%، وهي نسبة لا يمكن القفز فوق معطياتها ببساطة.

كما أن الضغط على ناخبي أعضاء التحالف السياسي يبدو أنه دفع بقسم كبير من هؤلاء الناخبين إلى الالتزام بالمشاركة في الانتخابات، لكنهم صوّتوا إما بالورقة البيضاء التي كان لافتاً أن عددها بلغ حدود 2000 ورقة. كما أن عدد الأوراق الملغاة الذي بلغ نحو 2600 يكشف أيضاً حالة اعتراضية، خصوصاً أن معظم تلك الأوراق تعود للمرشحين المستقلين، وفق ما أفاد بعض المندوبين على الصناديق، والباقي منها تضمّن عبارات ضد السياسيين وتحالفهم ومرشحتهم.

مع ذلك، بلغ مجموع الأصوات التي حصل عليها المرشحون المستقلون تبلغ نحو 10 آلاف صوت، أي تقريباً نصف ما حصلت عليه ديما جمالي التي وقفت خلفها مروحة سياسية كبيرة وإمكانيات ضخمة، وخبرة انتخابية، وأجهزة، وخدمات، ومفاتيح انتخابية، وقدرات لوجستية…

وإذا أضيف مجموع أصوات هؤلاء المرشحين مع الأوراق البيضاء والأوراق الملغاة، فإن مجموع الأصوات التي وقفت ضد الاصطفاف السياسي يبلغ نحو 14 ألف صوت، هم من المستقلين الذين لم يستطيعوا تشكيل ماكينة انتخابية أو وضع مندوبين على الصناديق. بينما كان لافتاً عدد الأصوات التي حصل عليها كل من المرشحَين يحي مولود وعمر السيّد، على الرغم من حداثة دخولهما المعترك الانتخابي، وغياب أي رافعة انتخابية تؤمّن لأي منهما كتلة أصوات وازنة. وهذا ما يفتح أمامهما الباب لمحطات انتخابية مقبلة.

اما في الملاحظات الأخرى، فيمكن تسجيل النقاط التالية:

ـ لم ينكشف بشكل واضح حجم مشاركة كل طرف من التحالف السياسي في دعم مرشحة تيار "المستقبل" ديما جمالي، لكن بعض الكلام في أوساط "المستقبليين" يتحدّث عن ضعف مشاركة مؤيدي الرئيس نجيب ميقاتي والوزير السابق أشرف ريفي، بل وذهب الهمس إلى اتهام أنصار ميقاتي بأنهم هم الذين صوّتوا بالورقة البيضاء واتهام أنصار ريفي بمنح أصواتهم إلى المرشح عمر السيّد.

ـ غابت "الجماعة الإسلامية" عن أي حضور انتخابي ظاهر، على الرغم من إعلانها دعم المرشّحة جمالي. وتحدّثت بعض المعلومات عن عتب على الرئيس الحريري لأنه لم يشمل "الجماعة الإسلامية" في برنامج زياراته إلى القوى السياسية في طرابلس، في حين تحدّثت بعض المعلومات عن اعتراض في صفوف "الجماعة" على دعم جمالي.

ـ انسحبت اللامبالاة والمقاطعة الانتخابية إلى العلويين الذين سجّلوا نسبة مشاركة متدنّية جداً.

ـ كانت المشاركة المسيحية ضعيفة جداً في طرابلس، ولم تنجح ماكينة "القوات اللبنانية" التي عملت من داخل مكاتب تيار "المستقبل" في كسر حالة اللامبالاة تجاه الانتخابات الفرعية.

ـ الماكينة الانتخابية للوزير السابق محمد الصفدي التي يشرف عليها أحمد الصفدي، كان حضورها مفاجئاً باستمرار قوة فاعليتها ومشاركتها المؤثرة في عمليات الاقتراع والتزام كوادرها بالتصويت للمرشحة جمالي، وكذلك بعد أن استطاعت ـ كعادتها ـ إصدار النتائج قبل الماكينات الانتخابية الأخرى، ما يعني أن الوزير السابق محمد الصفدي حافظ على هذه الماكينة بالرغم من قراره بعدم خوض الانتخابات النيابية شخصياً.

ـ شكّلت حيوية كريم كبارة، إشارة واضحة إلى إمساكه بمفاصل الحالة الشعبية للنائب محمد كبارة، وما يشبه الانطلاقة الرسمية لبداية عمله السياسي، ما يعني أن دوره سيتصاعد تدريجياً في المرحلة المقبلة، خصوصاً أنه نجح في تقديم صورة جيّدة ومنظّمة لماكينته الانتخابية. بينما كان النائب محمد كبارة يتابع مجريات الانتخابات من مكتبه، ويعطي توجيهاته لفريق العمل.

ـ نشطت ماكينة تيار "الكرامة" في الترويج للمقاطعة الانتخابية، وأيضاً في مراقبة مدى التزام المؤيدين بهذه المقاطعة، فكانت حاضرة بقوّة ,. ولوحظ أن النائب فيصل كرامي أشرف شخصياً على متابعة عمل هذه الماكينة.

ـ لم تظهر أي حركة انتخابية لـ"جمعية المشاريع الخيرية"، والتزم المنتمون إليها بالمقاطعة من دون أي حضور في الشارع حتى لا يفسّر هذا الحضور بأنه لدعم أي من المرشحين.

(شارك هذا المقال)

One thought on “"ربيع طرابلس": أكبر من "هزّة" انتخابية؟

  • 15 نيسان، 2019 at 3:55 م
    Permalink

    مبروك العبرة – مروان يسير
    مبروك للسيدة جمالي ومبروك للأصدقاء: مولود، احدب، السيد وكبارة.
    تذكرون أنني قابلتكم حول ضرورة التوجه للغالبية الغائبة والتي تشكل 60 % كمعدل عام وقد ارتفعت إلى ما يقرب 90% في النتائج الأخيرة.
    العبرة في النتيجة هي:
    👈 انه لو تخيلنا جمع مئة من الطرابلسين في ندوة تكون النتائج كما يلي:
    👈 ثمانية من المئة كانت كافية لفوز جمالي.
    👈 أقل من اثنين من المئة الحاضرين بالندوة وافقوا على يحيى مولود.
    👈 أكثر بقليل من واحد من المئة الحاضرين وافقوا على مصباح الاحدب.
    👈 أقل من واحد من المئة وافقوا على عمر السيد.
    👈 لا أحد من المئة الحاضرين وافقوا على طلال كبارة الذي يحتاج لزيادة عدد الحاضرين إلى الألف لكي يجد بينهم مؤيد واحد.
    أصدقائي:
    في حال أنكم تخدمون طرابلس عبر ترشيحكم فالعمل يختلف، خصوصا أن التغيير يلزم أكثر من نواب مخلصون لطرابلس بل تحتاج طرابلس لصيغة تدفع الغالبية الغائبة للمشاركة في إنقاذ المدينة قبل المشاركة في الانتخابات كما بعدها.
    في حال أنكم تلتقون معي على هذا الطرح تكون العبرة أثمن بكثير من الخسارة التي حلت بالجميع كما ستكون العبرة كباكورة عمل مجدي للثلاث سنوات التي تفصلنا عن الاستحقاق القادم.
    مروان يسير
    مشروع هيكلة المجتمع *مهم*

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.