ما هي خلفيات انسحاب ريفي من انتخابات طرابلس؟

خضر طالب /

لا يملك أحد معطىً حقيقياً عن أسباب تنازل الوزير السابق اللواء أشرف ريفي عن "مقعده" النيابي. الرجل كان سيدخل إلى ساحة النجمة على حصان أبيض وهو يحمل ثقة كبيرة من الشارع الطرابلسي… هذا ما كانت المؤشرات تؤكّده استناداً إلى المزاج العام الذي كان سائداً في عاصمة الشمال.

ثلّة لا يتجاوز عديدها أصابع اليد الواحدة، على علم بحيثيات قرار أشرف ريفي، أمّا الباقي فقد غرق في التكهنات التي لا تستند إلى معلومات مؤكّدة.

في المحصلة، قرّر أشرف ريفي وضع بندقيته أرضاً، والعودة إلى "الخيمة الحريرية" ليكون "صقراً" فيه، بعد أن كان على مدى ثلاث سنوات "أسداً" في مواجهته!

انتصر سعد الحريري…

نجح الحريري في استعادة "الصقور" تحت جناحيه، بمساعدة "حزب الله" الذي قدّم له "خدمة العمر" عندما استهدف الرئيس فؤاد السنيورة الذي أمّن له الحريري مظلّة حماية، فكان أول العائدين إلى "الخيمة الحريرية" للإحتماء من سهام "حزب الله".

ونجح الحريري في "القبض" على "مفاصل الارتخاء" التي كانت ظاهرة في جسد "المستقبل".

ونجح الحريري في احتواء الحالات السياسية السنّية التي كانت تطمح لمنافسته، فإذا بها تكتشف ضعفها وتخشى استفرادها.

واستعاد الحريري موقعه كممثّل "وحيد" للسنّة الذين لا ينتمون إلى فريق "8 آذار".

لكن الأهم، أن الحريري العائد من المملكة العربية السعودية بارتياح شديد، قد استعاد التفويض المطلق من القيادة السعودية ليكون "رَجُلها" في لبنان وتطويع كل الحالات السنّية الأخرى لتكون داعمة له.

هذا بالنسبة إلى الحريري، أما بالنسبة إلى أشرف ريفي، فإن تنازله عن المقعد النيابي الذي كان سيفوز به، سيبقى موضع جدل ونقاش في صوابيته وخلفيته ودوافعه.

القراءات الأولى لقرار ريفي، حاولت تفسير انكفائه بأنه جاء بناء لطلب من مسؤولين في دولة الإمارات العربية التي يحظى ريفي بعلاقات جيدة معها. أو أنه تجاوباً مع طلب سعودي. في الحالتين، تذهب القراءة إلى وضع انسحاب ريفي في خانة القرار السعودي بعدم "كسر" سعد الحريري، بل وبمنحه دعماً كبيراً باعتباره الخيار الأول والوحيد سعودياً في لبنان.

ثمة قراءات أخرى ترى أن ريفي لم يستطع تأمين دعم مالي لمعركته الانتخابية في طرابلس. في حين ذهبت قراءة ثالثة إلى أن ريفي لم يعد قادراً على تحمّل الضغط المالي، خصوصاً في ظل تلميحات بفتح ملف مخالفات "منتجع ميرامار".

كل تلك الاجتهادات لا تستند إلى معلومة… ولكن هل قدّم ريفي هذا التنازل الكبير من دون ثمن؟

ما تسرّب عن "محضر" لقاء الحريري ـ ريفي في منزل السنيورة بحضور الوزير السابق رشيد درباس، لا يوحي بأن ريفي قد حصل على أي مقابل لانسحابه. معظم الكلام كان عاطفياً وفيه حنين لعودة ريفي إلى موقعه "الطبيعي" داخل "الحالة الحريرية". ربما لأن "عنصر التوتّر" مع ريفي قد أصبح خارج الدائرة المقرّبة من الحريري. فوزير الداخلية السابق نهاد المشنوق الذي كان الخلاف بينه وبين وزير العدل السابق أحد أهم أسباب استقالة اللواء ريفي من الوزارة ولابتعاد عن "المستقبل"، يبدو أنه سيتبادل الدور مع ريفي الذي قد يستعيد موقعه المقرّب إلى جانب الحريري بينما يبتعد المشنوق!

هل هذا هو ثمن انسحاب ريفي وإعلانه "تجديد البيعة" للحريري؟

ربمّا… لكن الأكيد أن "دفتر الحسابات" سيكون مليئاً بقراءة تداعيات عودة "اللواء المتمرّد" إلى كنف "المستقبل". والأكيد أن مشروع "زعامة" أشرف ريفي قد انتهى، خصوصاً أن جمهوراً كبيراً من الذين راهنوا على ريفي هم من "المستقبليين" السابقين، وقد أصيبوا بالإحباط بعد أن عاد "الجنرال" إلى موقعه السابق… ولهذا، فإن أشرف ريفي بعد المصالحة، لن يكون كما كان قبلها!

أما طرابلسياً، فإن نتائج المصالحة ستكون لها أيضاً تداعيات، حيث أن ريفي لن يكون الخاسر الوحيد منها ـ في حال اعتبرت هذه المصالحة خسارة له بتنازله عن الانتخابات ـ لأن آخرين سيدفعون أيضاً ثمن قرار ريفي.

والواقع أن "حالة أشرف ريفي" قبل المصالحة، كانت تشكّل رهاناً للآخرين للحفاظ على توازن في المدينة. وبعودته إلى "المستقبل" سيعود توازن القوى إلى الاختلال، وكذلك سيؤدي إلى تبخّر الأحلام والرهانات بالقضاء على "الحالة الحريرية" في طرابلس.

أكثر المتضررين من قرار ريفي هو الرئيس نجيب ميقاتي الذي استفاد في الانتخابات السابقة من "حالة ريفي". عملياً، ستكون حسابات ميقاتي مختلفة عن السابق في المرحلة المقبلة، بعد أن وحّد الرئيس الحريري صفوفه في طرابلس، واستعاد مكانته، وبالتالي سيكون ميقاتي محكوماً بالتفاهم معه من موقع مختلف عما كان عليه بعد الانتخابات النيابية في العام 2018. مع العلم أن جمهور ميقاتي كان يراهن على استمرار ريفي في المعركة للتصويت له ضد الحريري، لكن انسحاب ريفي أصابهم بالإحباط، وبات عليهم الرهان على "حصان" آخر لمواجهة الحريري في المدينة، خصوصاً أن انتصار الحريري في هذه الانتخابات يعني استعادة جزء كبير من واقع العام 2009، عندما كان ميقاتي والوزير السابق محمد الصفدي في لائحة واحدة مع "المستقبل" بمواجهة الرئيس الراحل عمر كرامي.

والواقع أن الحريري نجح في تبديد أحلام نشوء زعامة سنّية من بيئته، أقلّه في المدى المنظور، باستثناء حالة النائب فيصل كرامي التي ما تزال خارج سرب الحريري، ولها خصوصيتها وتمثيلها لخيار سياسي وشعبي.

هذا في القراءات السياسية لـ"صدمة" أشرف ريفي.. فماذا عن الانتخابات الفرعية في طرابلس؟

نظرياً، انتهت الانتخابات. أما عملياً، فإن الصورة لن تتبلور قبل أن يتوضّح موقف المرشّح "المنطقي" طه ناجي، أو غيره من المرشّحين الذين يمكن أن يركب أحدهم "موجة" المزاج العام السائد في طرابلس ضد النائبة السابقة ديما جمالي، والتي قد تسترد لقبها النيابي بشبه تزكية.

ومنطقياً، فإن "جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية" التي تعكف على دراسة الوضع الانتخابي بدقّة، ستقرأ خطوة ريفي باعتبارها تساهم في إضعاف حظوظ مرشّحها طه ناجي بشكل كبير جداً. لكنها ايضاً قد ترى أن المزاج العام في المدينة يمكن أن يتعاطف مع "مظلومية" مرشّحها، فتقرّر خوض المغامرة، وإن كان هذا الاحتمال ضعيفاً.

أما النائب فيصل كرامي، الذي سيلتزم بقرار طه ناجي، فإنه يميل إلى عدم خوض هذه الانتخابات لعدم تقديم انتصار مجاني لتيار "المستقبل"، خصوصاً بعد انسحاب ريفي من المعركة الانتخابية الذي ساهم في تغيير مسار الانتخابات بشكل حاد.

لكن القرار النهائي والحاسم سيكون مرهوناً بأسماء المرشحين الآخرين الذين قد يخوضوا الانتخابات الفرعية بمواجهة مرشّحة الرئيس الحريري التي أُبطلت نيابتها بالطعن ديما جمالي، خصوصاً في ظل المزاج العام الرافض لها.

على هذا الأساس، ستكون الأيام المقبلة حاسمة في رسم المشهد المكتمل لانتخابات طرابلس الفرعية، وقبل موعد حصول هذه الانتخابات بأكثر من أسبوعين.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.