"حزب الله" ـ الحريري.. "زواج ماروني" يرفضه "التيار"

 نورما أبو زيد /

نجح الإعلام المرئي اللبناني والخليجي، في إيهام اللبنانيين الذين قبعوا قسراً خلف شاشات التلفزة، جراء تقطيع أوصال البلد، بأنّ غالبية الذين رابضوا على طرقات لبنان، ومعظم الذين احتلوا الساحات، تجمعهم ثورة مجيدة، تخطّوا فيها تلاوينهم الطائفية والمذهبية والمناطقية والحزبية التي لطالما فرّقتهم، وتوحّدوا حول مطلب إقصاء الفاسدين عن مقاعد السلطة تحت شعار "كلن يعني كلن"، واستعادة الأموال المنهوبة بالتالي. ولكن سرعان ما أظهرت استقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة، معاناة الساحات من انفصام، وأدرك عندها المناصرون لـ "الثورة" عَ "القاعد" من أمام الشاشات، بأنّ عملية التخلّص من الثالوث المذهبي والزعاماتي والحزبي مستحيلة، وأنّ "الشعوب اللبنانية" إنّما وُجدت لتأكيد نظرية الزيوت الكارهة للماء، واستحالة الذوبان فيها رغم "الصابون الأجنبي" الذي يحاول المساعدة في عملية الذوبان، بخيمٍ من هنا، ومظلات من هناك، ومنصات وشاشات من هنا وهنالك، تتحدّث عن انصهار وطني غير مسبوق على أبواب مئوية لبنان الكبير.

في بلد "الزيوت الكارهة" للاندماج، سعد الحريري المستقيل، باتت عودته إلى السرايا مطلباً لبعض الساحات، بعدما كان أحد المطلوبين قبل الاستقالة. فهل يعود إلى السرايا، ووفق أيّة شروط؟

عندما استقال الحريري من الحكومة، لم تكن استقالته نتيجة هبوط وحي سماوي عليه، بل جراء ضغوط داخلية وخارجية. ولكن العودة إلى رئاسة مجلس الوزراء تبقى حاجة ماسة لديه. والحريري الذي يضع رِجْلاً في البور وأخرى في الفلاحة، يُدرك أنّ وضعه لا يحتمل مزيداً من التباعد بين رجليه، لأنّ سيُصاب بضرر بالغ ما لم يحسم أمره.

ولكن الحريري الواقف بين خندقين وضفتين ومحورين، يعلم أنّ "سلاح الطائفة" يحميه، حتى لو كانت الكفّة الداخلية راجحة لصالح السلاح الآخر. وعليه، تعتقد دوائر "حارة حريك" و"ميرنا الشالوحي" أن الحريري يبالغ في مطالبه، أما تهديده بالاعتكاف، فهو من باب "الدلع". فكيف تتعامل هذه الدوائر مع مبالغته؟

على خطّ بعبدا ـ "ميرنا الشالوحي"، ثمّة انزعاج كبير من الرجل "المنقلب والمتقلّب" يُعبَّر عنه بسؤال وبلا سؤال. في هذا المقلب، يتمّ تشبيه العلاقة مع الحريري بزواج مدني مُرفق بدفتر شروط. وعليه، تقول دوائر "الشالوحي" التي تعجز عن "هضم" الاستقالة، إنّ الحريري أخلّ بدفتر الشروط، ولذلك عملية فكّ الارتباط معه سهلة وبسيطة، ولا تعرقل ارتباطاً جديداً تُعطى الأولوية فيه للوزير السابق محمد الصفدي، بينما يأتي النائب فؤاد المخزومي كخيار ثان. وتستغرب هذه الدوائر رفض "حزب الله" لعملية فكّ الارتباط مع الحريري، وتعتبره غير مبرّر.

لا تستظرف "الشالوحي" منذ فترة حالة "الشوشرة" الدائمة التي يعاني منها الحريري، وغير معجبة بـ"كسله المتمادي" بحسب ما تعبّر الدوائر المحيطة بها، ولا تقيم وزناً لعلاقاته الخارجية، وتعتبر أنّه لولا ترسيم الحدود الذي مارسته باريس للرياض بموافقة واشنطن، لكان الحريري اليوم يُحاكم لدى محمد بن سلمان. وفي ما خصّ أموال "سيدر"، تجزم هذه الدوائر بأنّها لن تسلك طريقها إلى لبنان بوجود الحريري وبعدم وجوده، إلاّ مع اتضاح وضع لبنان النفطي. وبناءً على كلّ ما تقدّم، تعتبر أنّ عدم وجوده على رأس الحكومة المقبلة، أفضل من وجوده.

العاصفة الواضحة في مقلب بعبدا ـ "ميرنا الشالوحي"، تلاقيها عاصفة أخرى من ضفّة "حارة حريك" التي انزعجت من استقالة الحريري. ولكن في هذه الضفّة، لا مكان للعواطف الجارفة، ولا يصدر أيّ موقف إلاّ بعد إخضاعه لميزان فائق الدقة. بحسب ميزان "حارة حريك"، سعد الحريري كان ولا يزال وسيبقى مطلباً لـ "حزب الله". وعليه، احتمال تقاعده السياسي المبكر مؤجّل إلى أجل غير منظور، ويسعى الحزب بكل جهد لإيجاد توليفة حكومية يرأسها الحريري ويقبل بها "التيار الوطني الحرّ".

وعلى الرغم من العناوين العريضة والمتوسطة والرفيعة التي تُباعد بين الحريري بارتباطاته الخارجية وبين "حزب الله"، يرغب الحزب بعقد "زواج ماروني" مع الحريري، والذين يدورون في فلك "حارة حريك" يقولون علناً إنّ الحريري هو خيار الحزب الأول والثاني والثالث. أمّا الاعتبارات فهي داخلية أكثر ممّا هي خارجية، على عكس ما يعتقد كثيرون.

لا شكّ أنّ الحزب يرتاب من "سمّاعة" الحريري الجاهزة دائماً لتلقي اتصالات من الخارج. ولا شكّ أنّه يرتاح لأسماء سنيّة أخرى تعتبر جزءاً من "قماشته"، ولكنّه يأخذ بعين الاعتبار أنّ الحريري، رغم حالة الوهن التي تصيب "تياره"، هو الزعيم السنّي الوحيد العابر للمناطق. ويعتبر بالتالي، أنّ أيّ استبعاد له، سيجرّ البلد إلى شدّ حبال من النوع المذهبي الذي يدوم ويدوم. أمّا مبالغة الحريري في شروطه فـ"مقدور عليها"، سيّما وأنّ أدبيات الحزب التي تسمح بـ"الزواج"، تمنع "الدلع". وبحسب مصادر "الرقيب"، سلّمت "حارة حريك" رسالة حاسمة وحازمة للحريري، مفادها أنّ "عرض الزواج الماروني قائم، ولكن الدلع ممنوع".

تُجمع دوائر "ميرنا الشالوحي" و"حارة حريك" على أنّ الحريري لا يرغب بتكليف بديل عنه لترؤس الحكومة المقبلة. و"حزب الله" بدوره لا يخفي رغبته بتولّي الحريري بالأصالة عن نفسه رئاسة الحكومة. ولكن في ضفّة العهد، ثمّة ربط مسارات بين مصير الحريري ومصير باسيل. "يبقيا معاً أو يرحلا معاً". وبحسب مصادر "الرقيب"، فإنّ الوزير باسيل أكّد للرئيس الحريري خلال زيارته الثانية إلى "بيت الوسط" على القاعدة التي تقول "ظلم في السوية، عدل في الرعية".

موقف "ميرنا الشالوحي" طبيعي وبديهي، إذ إنّ عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة، من دون عودة باسيل، تحوّل الأخير تلقائياً إلى "كبش محرقة". وهو أمر لا يتقبّله العهد ولا يحتمله، لأنّه يعني توجيه ضربة مباشرة لهيبته. كما أنّ إخراج باسيل من الحكومة المقبلة، وعودة الحريري على رأسها، يحمّل باسيل بطريقة غير مباشرة مسؤولية ما آلت إليه الأمور، في محاكاة لاتهامات الشارع في جزئه المسيّس.

انطلاقاً ممّا تقدّم، يقف الحريري حالياً بين عرضين: عرض طلاق فوري من قبل "ميرنا الشالوحي" يعطي الحريري "استراحة" مؤقتة، وعرض "زواج ماروني" من قبل "حارة حريك" بسقف زمني محدود للقبول أو الرفض. ولكن دخول الحريري بـ"زواج" طويل الأمد مع "حزب الله، يستلزم "المساكنة" مع رئيس "التيار الوطني الحرّ" تحت سقف الحكومة. فهل يذهب الحريري إلى تسمية بديل عنه في رئاسة الحكومة ويرضخ لمعادلة "كلنا برّا أو كلنا جوّا" التي أرساها باسيل؟ أم يترأس هو الحكومة بنفسه ويذهب إلى تشكيلة حكومية تجمع "صقور" الأحزاب و"حمائم" المجتمع المدني وتكنوقراط؟

أوساط "بيت الوسط" تتجنّب الكلام، وجوابها الوحيد هو أنّ لا جواب لديها.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.