ما هي "الصدمة" التي تُنهي المأزق؟

خضر طالب /

تنتهي المهلة التي حددها رئيس الحكومة سعد الحريري مساء اليوم، لكن أفق الحلول ما تزال ضبابية، بل وربما مسدودة.

هل تكفي الورقة الإصلاحية وحدها للخروج من المأزق؟

السؤال الأهم:

هل ستقنع هذه الورقة الناس في الشارع للخروج من الشارع؟

إذا كانت القوى السياسية تعتقد أنها بهذه الورقة، ومهما كان مضمونها، ستخفّف من غضب الناس الذي انفجر دفعة واحدة على الطبقة السياسية بكل وجوهها، فإن هذه القوى التي تمسك بالسلطة وترفض التنازل عنها تكون ما تزال تعيش في برجها العاجي وهي منفصلة عن الواقع بشكل مرير.

بالنسبة للشارع، انتهى زمن الكلام والوعود… الوقت اليوم للتغيير، ولا بد من إنجاز هذا التغيير، ولن يخرج الغاضبون من الشارع قبل أن تقدّم القوى السياسية تنازلات من النوع الذي يقنع هذا الشارع أنه حقّق انتصاراً كبيراً بوضع حدّ للمسار الإنحداري بالبلد.

وعليه، فإن الورقة الإصلاحية التي كشفت التسريبات يوم أمس أنها تتضمّن بنوداً جيدة ومتقدّمة، لن تكون كافية لتهدئة الشارع، ولا بدّ بالتالي من ثمن كبير تدفعه القوى السياسية، قبل أن يطيح الشارع بكامل مكوناتها.

فما هي "الفدية" التي يمكن أن تدفعها القوى السياسية لإنقاذ ما تبقى منها؟

في المبدأ، لا إمكانية لاستقالة الحكومة في الوقت الراهن. ليس بسبب تعنّت القوى السياسية، وإنما للأسباب الموضوعية التالية:

ـ الخشية من المجهول المالي والاقتصادي، خصوصاً أن سعر الدولار الأميركي لامس سقف 1800 ليرة في السوق السوداء على الرغم من حالة التعطيل الشاملة في البلد، وبالتالي فإن الخوف هو مما سيشهده سوق النقد في أول يوم عمل بعد الانتفاضة، حيث يسود الاعتقاد أن سعر الدولار الأميركي قد يتفلّت من عقاله!

ـ أي حكومة لن تستطيع القفز فوق التوازن السياسي الذي أنتجته الانتخابات النيابية، حتى ولو كان الطرح تشكيل حكومة تكنوقراط، فإن مثل هذه الحكومة يجب أن تحصل على موافقة القوى السياسية المتمثّلة في مجلس النواب. ما يعني أن أي حكومة ستكون صورة أخرى للحكومة الحالية، مع تغيير في الوجوه، لأن القرار سيبقى بيد القوى السياسية نفسها.

ـ الإجماع الدولي والعربي على عدم استقالة الحكومة الحالية، بسبب الخوف من المجهول الذي يفتح البلد على خيارات قد تكون خطيرة. وفي هذا السياق كان لافتاً الموقف الأميركي الذي تحدّث عن إصلاح وليس عن استقالة، فضلاً عن أن واشنطن أبلغت الرئيس الحريري بضرورة عدم استقالته، وهو ما فعلته أيضاً موسكو وباريس… فالولايات المتحدة الأميركية تتمسّك بالحكومة الحالية على الرغم من وجود "حزب الله" فيها، لأنها تخشى أن يؤدي سقوط الحكومة إلى تشديد "حزب الله" قبضته على السلطة في لبنان، وهي تعتبر أن التوازن الحالي في الحكومة جيّد ومطلوب ويمنع "حزب الله" من التمدّد.

ـ لا توجد ضمانة بإمكانية تشكيل حكومة سريعاً، وقد تستمر حالة تصريف الأعمال أشهراً عديدة، ما يعني "تبرئة" الحكومة والقوى السياسية من التداعيات التي ستترتّب مالياً واقتصادياً، على اعتبار أن الحكومة في حالة استقالة وفي حالة تصريف الأعمال، وبالتالي لا يمكن محاسبتها. وهذا ما سيسمح بتمرير إجراءات موجعة جداً على المستوى المالي والاقتصادي، بحجة عدم مسؤولية الحكومة.

ـ صحيح أن استقالة الحكومة سيؤدي إلى تنفيس احتقان الشارع، لكن الصحيح أيضاً أنه سيعطي القوى السياسية جرعة أوكسيجين لتهدئة انفعال الشارع ضدها، وبالتالي انتهاز فرصة استراحة الشارع للعودة إلى الانقضاض على السلطة بعد أشهر.

كل هذه الأسباب تدفع للتفكير في المخارج التي يمكن أن تعطي الشارع اطمئناناً إلى أن ثورته نجحت، وتسمح للقوى السياسية بتقديم تنازلات مؤلمة لا تقتصر على تغيير أدائها ووقف الفساد الذي استفحل في كل المفاصل.

هنا يبرز مخرج يبدو أنه قد يشكل قاعدة انطلاق نحو تحقيق انتصار جدي لانتفاضة الشعب اللبناني. ويتمثّل هذا المخرج بالآتي:

ـ إعلان الحكومة تبنّي الورقة الإصلاحية التي وضعتها وتحديد جدول زمني لتنفيذها.

ـ إجراء تعديل وزاري واسع يطال الوزراء الذين أصبحوا "منبوذين" من الشعب اللبناني، وهم من مختلف القوى السياسية. وهنا تبرز معضلة رئيسة تتمثّل بمطلب كل من رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" وليد جنبلاط ورئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية بأن يشمل هذا التعديل رئيس "التيار الوطني الحر" وزير الخارجية جبران باسيل، ويشكل هذا الطرح عقدة كبيرة لأنها تعني أن يدفع باسيل شخصياً وحده ثمن الحل، ولأنه يحمّل رئيس الجمهورية ضمناً المسؤولية، وهو ما لا يمكن أن يمرّ بسهولة. أما بالنسبة إلى الأسماء الأخرى المطروحة للتعديل الوزاري فهي: وزير الاتصالات محمد شقير ووزير الإعلام جمال الجراح من تيار "المستقبل". وزير التربية أكرم شهيب من "الإشتراكي". وزير المهجرين غسان عطالله ووزير البيئة فادي جريصاتي من "الوطني الحر". وزير المالية علي حسن خليل من حركة "أمل". وزير "التجارة الخارجية حسن مراد عن "اللقاء التشاوري". وزير الأشغال يوسف فنيانوس من "المردة". وزير "شؤون النازحين" صالح الغريب من "الحزب الديموقراطي اللبناني". وزير شؤون التكنولوجيا عادل أفيوني من "الوسط المستقل".

هذا بالإضافة إلى تعيين وزراء جدد بدل وزراء "القوات اللبنانية" الأربعة الذين قدموا استقالتهم.

ـ وضع قانون انتخابات جديد في مهلة زمنية محدّدة لا تتجاوز الأشهر، يأخذ بعين الاعتبار اللغة الوطنية التي عبّر عنها الشارع والتي ترفض الفرز الطائفي والمذهبي، وبالتالي الذهاب إلى قانون انتخابات يراعي حالة الوحدة الوطنية التي عبّر عنها اللبنانيون في ثورتهم.

ـ الدعوة إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة يجري التحضير لها بالتوازي مع إقرار قانون الانتخابات، على أن تجري وفق جهوزية عصرية باعتماد "ميغا سنتر" في التصويت.

هذه النقاط تشكّل مجتمعة "صدمة إيجابية" تستطيع تنفيس احتقان الشارع، وتقنعه بالخروج، ولو مؤقتاً، لكنه يشكل أيضاً مخرجاً من المأزق الكبير الذي قد يطيح بالانتفاضة والبلد معاً…

(شارك هذا المقال)

One thought on “ما هي "الصدمة" التي تُنهي المأزق؟

  • 21 تشرين الأول، 2019 at 9:57 ص
    Permalink

    ان ما ذكرته من اسماء وزارية يجب الإطاحة بها تكون مجلس الوزراء كله تقريبا معنى ذلك حل هذه الحكومة وتشكيل حكومة اخرى فهل هذا ممكن

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.