"الإصلاح تحت ضغط الشارع".. فرصة عون؟

نورما أبو زيد /

استَفَزّ الشارع المستنفِر، الكثير من الذين يراقبون حركته وشعاراته من خلف الشاشة. تهجُّم الجزء القواتي ـ الجنبلاطي من هذا الشارع على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون كما لو أنّه أحد الذين نهبوا صناديق الدولة منذ تسعينيات القرن الفائت، لم يكن مريحاً لكثيرين، ولكن المفاجئ هو أنّ الرئيس عون نفسه يبدي ارتياحاً لحركة الشارع.

كلّ الذين قصدوا قصر بعبدا في اليومين الأخيرين، سواء بهدف التضامن مع الرئيس عون، أو بهدف استشراف المرحلة المقبلة، فوجئوا بحالة اللاإرباك غير المصطنعة، وبحديث الرئيس عن وجوه إيجابية لهذا الحراك في شقّه غير الحزبي، أهمها "الإصلاح تحت ضغط الشارع"، بعدما عجز عن إقناع شركائه في الحكم، بحتمية تسكير صنابير الهدر، واعتماد سياسة تجفيف "الرطوبة المالية"، لتحقيق الإصلاح الموعود.

بهذا المعنى، يصبح الحراك مفيداً للعهد، الذي يريد إصلاحات وليس ضرائب، بحسب ما يقول الرئيس عون لزواره. فمن وجهة نظر الرئيس، الحراك صنع عجلات للعهد عصيّة على العِصي التي اعترضت قطاره الإصلاحي. أمّا أولى الإصلاحات السريعة التي من شأنها وضع البلد على سكّة الدولة، وتهدئة حركة الشارع بالتالي، فتبدأ بمرفأ بيروت، وتنتهي بإغلاق آخر باب من آخر هيئة وصندوق. ويعدّد الهيئة العليا للإغاثة وصندوق الجنوب مثالاً، ويشدّد على أنّ "سياسة التجفيف" يجب ألاّ تستثني صندوقاً واحداً من الصناديق التي امتصّت حيوية الدولة الاقتصادية لصالح زعامات وأتباع.

نَفَس الرئيس الإصلاحي الذي امتدّ على ما يبدو نَفَساً عميقاً من نَفَس الشارع، له حتماً ما يحاكيه لدى "حزب الله". وقد كشف السيد حسن نصر الله في إطلالته الأخيرة عن موقف الحزب المساند للحراك. وثمّة شكوك أصلاً بأنّ الحزب غضّ النظر عن الحراك في شارعه لاصطياد أكثر من عصفور بحجر واحد، أبرزهم عصفور الإصلاح الذي سيتسبب بـ "تطيير" البلد ما لم يتمّ الإمساك به تحت ضغط الشارع.

وإذا كان قد بات جلياً بأنّ حراك الشارع في شقّه المطلبي هو مطلب للعهد و"حزب الله"، يبقى ضبابياً المدى الزمني لمخاضه، علماً أنّ تراجع زعيم "الاشتراكي" وليد جنبلاط عن الاستقالة من الحكومة بعدما وصلته رسالة واضحة من نصر الله، تتحدّث عن محاكمة تلي الاستقالة، قصّر المدى الزمني لهذا الحراك.

ليس خافياً أنّ وليد جنبلاط وسمير جعجع خطّطا لوضع الحريري أمام استقالة قسرية، عبر استقالة وزراء "القوات" و"الاشتراكي" من الحكومة، ما يعني تلقائياً أنّ الحريري كان سيجد نفسه فجأة رئيساً لحكومة "8 آذار" حيث "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" و"حركة أمل" و"تيار المردة" و"الديمقراطي". حكومة "8 آذار" كانت ستمنع "ابن الشهيد" من تحمّل تبعات هكذا عنوان لحكومته محلياً وإقليمياً. ولكن السحر انقلب على الساحر، مع تحوّط الأمين العام لـ "حزب الله" لهكذا سيناريو، وقوله لجنبلاط إنّ "من يهرب من تحمّل المسؤولية أمام الوضع القائم يجب أن يُحاكم".

فهم وليد جنبلاط رسالة نصر الله وتراجع. وانطلاقاً من تراجع جنبلاط، بات البلد أمام سيناريو وحيد، يستبعد إلى حدّ كبير استقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة مع انتهاء مهلة الـ 72 ساعة، انطلاقاً من إدراكه بأنّ هكذا خطوة ستحيله إلى تقاعد سياسي مبكر. وبناءً على الشيخوخة السياسية المبكرة التي تُخيف الحريري، لا تضع دوائر بعبدا ـ حارة حريك "Plan B" تحسّباً لاستقالة قد تكون ممكنة ولو بنسب ضعيفة، نظراً إلى حالتي الإرباك والتردّد السائدة في بيت الوسط، علماً أنّ أيّ دعسة ناقصة يقوم بها الحريري في الموضوع الحكومي، من شأنها أن ترفع سعر الدولار إلى 5 آلاف ليرة لبنانية، وأن تُدخل البلد في نفق طويل قد لا يخرج منه.

انطلاقاً من أعراض الشيخوخة السياسية المبكرة التي تعتري الحريري، تتعاطى دوائر بعبدا ـ حارة حريك مع استقالته بشيء من الاطمئنان، وتنصرف إلى ورشة عمل جدية لبحث كيفية ضبط الشارع وإعادته إلى المنزل، كي لا يخرج عن الضوابط الزمنية المفيدة.

مصدر على تماس بدوائر القصر الجمهوري وحارة حريك، أفرج لـ "الرقيب" عن السيناريو شبه المكتمل، كي لا يخرج الشارع عن الضوابط الزمنية، وهذه بنوده:

1ـ "حزب الله" سيعمل على "ضبضبة" شارعه، وسينتهي من عملية "الضبضبة" خلال أيام.

2ـ الجيش اللبناني سيمنع إقفال الطرقات الرئيسية، على أن تُترك الباحات والأحياء التي لا تتسبّب بقطع أوصال البلد متنفساً للحراك.

3ـ الحكومة ستعكف على تنفيذ إصلاحات عاجلة يلمسها الشارع في شقّه المطلبي.

4ـ "القوات" و"الاشتراكيون" سيعودون بسرعة قياسية إلى منازلهم تحت طائلة تحمّل الثنائي "ج ـ ج" تبعات حملة مضادة عنوانها "من الفاسد؟"، تشرّع الباب على محاكمات مالية.

أمّا "المطلبيين" فهم التحدّي الأكبر للسلطة، كون أعدادهم فاقت الرقم المتوقّع. وتعتقد دوائر بعبدا ـ حارة حريك أنّ الورقة الإصلاحية لن تكون كفيلة بإعادتهم إلى منازلهم، وأنّ عودتهم هي رهن صدمة إيجابية كبرى، وعليه، البحث جارٍ حالياً عن الصدمة التي من شأنها إعادتهم طوعاً إلى منازلهم.

فهل تتمثّل الصدمة بتوقيفات تمهّد لمحاكمات تعيد الأموال المنهوبة؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.