تياران في بعبدا: عون "بيّ الكلّ".. أو "النص"؟

نورما أبو زيد /

تياران يتجاذبان بعبدا هذه الأيام.. هذا هو الانطباع الذي يخرج به أيّ متتبّع للإشارات التي لا تغنّي على موجة واحدة.

التياران يُجمعان على أنّ الرئيس ميشال عون مستهدف في شخصه ودوره وعهده، ولكن هناك تفاوت في تقدير حجم الاستهداف.

ثمّة تسليم لدى التيارين بأنّ هناك مجموعة داخلية تتربّص بالعهد، وتتجاوز باستمرار الخطوط الحمراء بضوء أخضر خارجي أحياناً كثيرة، وبضوء أصفر في أحيان أخرى، ولكن لكلّ منهما تفسيره للهجمة الأخيرة وتقديره لحجمها.

التيار الأول يعتبر أنّه بات لزاماً على العهد رفع متاريسه، وتخلّي الرئيس ميشال عون عن عقيدة "بيّ الكلّ" التي اعتنقها، وبالتالي تبنّي "الأبناء البارّين" فقط، واستثناء "العاقين" منهم. ويصرّ هذا التيار على أنّ الرئيس عون سيجد نفسه قريباً أمام خيار وحيد هو خيار "بيّ النصّ"، لأنّ الأبناء "العاقين" يستفيدون من "التسامح الأبوي"، ويكملون مسيرة نسف الهيكل التي بدأوها قبل ربع قرن من اليوم عندما "نجحوا" في تحويل الدولة إلى شركة خاصة. وبرأيهم، سيجد الرئيس عاجلاً أم آجلاً أنه لا بدّ من الاستغناء عن "العاقين" لإنقاذ الهيكل من التداعي بمؤازرة من "البارين".

بنظر هذا التيار، القصة أبعد وأكبر من "حرتقات" الداخل، والرئيس عون مستهدف بمشرقيته وبخياراته الاستراتيجية على مستوى لبنان والمنطقة، وما التصويب عليه إلاّ لأنّه الشخصية المثالية لترميم المسيحية المشرقية التي أصيبت في الصميم. ولكن هذا الخارج يستعين بـ "حرتقجيي" الداخل كوسيلة للانقضاض على عون وخياراته، و"حرتقجيو" الداخل لا يوفّرون وسيلة للضغط، سواء بأوامر خارجية أو بلا أوامر. وبالتالي، يستحضر هذا التيار "المحارب" عبارة "احمل سلاحك".

التيار الثاني، يحاكي في نظرية الاستهداف المنظّم نظرية التيار الأول، ولكنه على خلاف التيار الأول، لا يرى بداً من التصعيد، ولا يعتبر أنّ ثمّة توجهاً لدى الرئيس عون بالتصعيد.

بالنسبة للتيار الثاني، ثمّة دمى داخلية كثيرة تُحرّك من الخارج بخيطان دوارة توحي بأنّ الدمية تسير بمجرد تحريك قدميها، ولكن بما أنّ خطاها مُصطنعة، وقعها ليس كبيراً ويقتصر على التشويش، وهذا التشويش ممسوك تحت سقف معقول.

يُجمع التياران، على أنّ الخيطان التي تحرّك "الكراكيز" من أعلى على مسرح الدمى، عادةً ما تكون رفيعة، ولكن الخيطان التي تحرّك "الكراكيز" على المسرح اللبناني مرئية وليست رفيعة، ولذلك تمكّن الرئيس عون إلى اليوم من إدخال تعديلات على السيناريوهات الخارجية التي رُسمت لـ "المسرح" اللبناني.

في "خطاب" التيارين ثناء على أداء "حزب الله"، ورضى على أداء الحريري، ولكن تغيب بعض الشخصيات السياسية عن هذا "الخطاب" كما لو أنّها غير موجودة أو غير مرئية، وثمّة علامات استفهام كثيرة وكبيرة على أداء كلّ الآخرين من المرئيين.

في ما خصّ الهجمة الأخيرة على بعبدا، التيار الأوّل يعتبرها جزءاً من كلّ، ويؤيّد فكرة قلب الطاولة التي هدّد بها وزير الخارجية جبران باسيل في ذكرى 13 تشرين. بينما التيار الثاني لا يرى فيها أكثر من "همروجة" للحزب "الاشتراكي"، ويربط هذه "الهمروجة" بالتحقيق في حادثة قبرشمون. وبنظره، وجد "الاشتراكي" في الملفّ الاقتصادي ضالته، بعدما عجز عن الإفلات من "براثن" المحاكمة التي كانت بنداً رئيساً في لقاء بعبدا الخماسي في 9 آب، الذي ركّز على ثنائية التهدئة والعدالة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.