"التقاعد" مهدّد ونقاش "التدبير رقم 3" يتجدّد.. والمواجهة تتمدّد!

تدفع الطبقة السياسية المتقاعدين، المدنيين والعسكريين، إلى زاوية ضيّقة جداً، بحيث يكونوا محكومين بالمواجهة معها دفاعاً عن استقرارهم الاجتماعي الذي يتهدّده خطر التآكل بفعل الذهنية التي تتعامل بها هذه الطبقة مع المتقاعدين باعتبارهم "فئة غير منتجة"!

في موازنة العام 2019، نجحت الحكومة بقضم جزء من حقوق هؤلاء المتقاعدين، وميّزت بينهم، واقتطعت من رواتبهم… ولم تأبه لصراخهم في الشارع. لكنها مع ذلك لم تلتزم بما أقرته حتى، فتباطأت في صرف مستحقاتهم، واحتجزت تعويضاتهم…

ويبدو أن المتقاعدين يشعرون بأن الحكومة تستعد لزيادة الضغط عليهم، وقضم جزء جديد من رواتبهم، ولذلك بادروا إلى التحرّك لتوجيه رسالة واضحة وحاسمة أنهم لن يسكتوا هذه المرة عن أي اقتطاع جديد من رواتبهم وتعويضاتهم.

مع ذلك، يبدو أن الحكومة ستفعل أكثر من زيادة الحسومات التقاعدية. مبدأ التقاعد نفسه مطروح على طاولة الحكومة، والنقاش ينطلق من فكرة إلغاء المعاش التقاعدي بالكامل والاكتفاء بتعويض نهاية الخدمة!

ولأن حاملي هذه الفكرة يدركون استحالة تمرير مشروعهم، فإن طرحهم يأتي من باب رفع السقوف لكي يتم تمرير ثلاثة بنود رئيسية:

ـ زيادة الحسومات التقاعدية للموظفين في الخدمة من 6 % حالياً إلى 10 %، مع احتمال القبول بنسبة 8 %.

ـ زيادة الحسومات في رواتب المتقاعدين إلى 5%.

ـ تضييق فئة المشمولين من العسكريين بالتدبير رقم 3 إلى الحدود الدنيا.

ـ حصر توريث الراتب التقاعدي إلى الزوجة فقط.

في النقاش الدائر بين القوى السياسية، لا يبدو أن هناك اعتراضاً قوياً على هذه الاقتراحات. الكل يتهيّب الواقع الاقتصادي والمالي، والكل يخشى انهيار العملة الوطنية. وفي ظل هذه المخاوف، يجري تسويق مبدأ الضرائب والاقتطاعات والحسومات الضريبية والتقاعدية والمسّ بالاستقرار الاجتماعي الذي يؤمّنه جزئياً نظام التقاعد، بدلاً من انهيار العملة الوطنية، خصوصاً في ظل الارتباك الذي تعيشه الأسواق المالية والذي يبدو أنه يشكل ضغطاً على القوى التي يفترض أن تعترض على المساس بالرواتب مجدداً وبنظام التقاعد.

حتى اليوم لم تتبلور صيغة واضحة لكيفية مقاربة هذا الملف الحسّاس، خصوصاً أن الجيش اللبناني الذي عطّل في موازنة 2019 إلغاء التدابير رقم 3، سيكون أمام تحدٍّ جديد لحماية حقوق العسكريين في الخدمة وفي التقاعد، خصوصاً أن الجيش ينتشر في جميع المناطق اللبنانية، وأنه لا يستطيع الفصل بين العسكريين والتمييز بينهم في الاستفادة من التدبير رقم 3، لأن ذلك سيؤذي بنية الجيش في العمق.

أما بالنسبة لاستبدال الراتب التقاعدي بتعويض نهاية الخدمة، فإن هذا الأمر غير متاح نهائياً في المؤسسة العسكرية.

ومع أنه ستتبلور صيغة تعامل الحكومة مع ملف التقاعد خلال الأيام المقبلة، إلا أن المؤشرات توحي بمواجهة قوية بين الحكومة وبين المتقاعدين، وربما تتدحرج الأمور فلا تعود القوى السياسية فسها قادرة على ضبط مناصريها الذين لن يكونوا متفرّجين على قضم رواتبهم وحقوقهم.

هل نحن أمام تكرار المشاهد التي رافقت إقرار موازنة العام 2019 في تموز الماضي؟

الأرجح أن الظروف الموضوعية قد تكون أكثر ملاءمة مما كانت عليه قبل أشهر، وأن مروحة المعترضين لن تكون محصورة بالعسكريين والمدنيين المتقاعدين، وهو ما ينذر بأن الشارع سيكون ساحة الاعتراض، خصوصاً أن البيئة جاهزة ومتحفّزة، وقد نفّذت خلال الأسابيع الماضية نوعاً من التمرين.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.