من بغداد إلى بيروت؟!

يدخل البلد في مزيد من حالة الارتباك التي تضغط على اللبنانيين.

السلطة تقذف كرة الأزمة إلى الأمام، ثم تخرج بحلّ: القبض على الإعلام!

الحكومة تغرق في اجتماعات الموازنة، ولا تملك إلا رؤية واحدة: تخفيض العجز بالرسوم والضرائب لا بتخفيض الإنفاق!

القوى السياسية تتقاذف التهم بالمسؤولية عن الأزمة الحالية، ثم تهرب إلى الأمام بغسل أيديها من دماء الاقتصاد اللبناني!

أوراق متساقطة على طاولات الاجتماعات عن الإصلاحات ومكافحة الفساد، ثم تصبح أي تهمة لأي مسؤول أو موظف مرتبطة بمعايير السقف السياسي و"توازن المحاسبة"، فتسقط كل التهم بالحمايات الطائفية!

أما الوضع النقدي فهو في دهاليز مصرف لبنان المظلمة، لا أحد يملك من قرارة نفس حاكمه سطراً ولا نيّة، فإذا بسعر الليرة يتقهقر وتذهب كل الفوائد الباهظة التي دفعها اللبنانيون على مدى 27 سنة، وما زالوا يدفعونها، أدراج الرياح وهباء منثوراً في جيوب المستفيدين من رفع الفوائد، المصارف وكبار المودعين!

أصبحت الأزمة أكبر من قدرة هذه الطبقة السياسية على معالجتها، لكن المشكلة أن الأزمة تتفاقم وكأن هناك من يدفعها نحو الانفجار في الشارع، على غرار ما حصل في مصر وما يحصل في العراق… فهل تنتقل "عدوى" التظاهرات من بغداد إلى بيروت؟!

وبينما لم تتدحرج "كرة الشارع" بقوة كافية لردع أهل السلطة، فإن بعض السلطة قرّر أيضاً اللجوء إلى الشارع لحماية موقع رأس الهرم في السلطة.

يوم الأحد تظاهرتان في ساحة الشهداء: واحدة ضد السلطة، وأخرى معها.

صحيح أن دعوة النزول إلى الشارع ما تزال "مجهولة المصدر"، وهو ما يحمّلها غايات ملتبسة واتهامات بـ"الشبهة"، إلا أن ما تسرّب عن دعوة "التيار الوطني الحر" للتظاهر في ساحة الشهداء يوم الأحد "دفاعاً عن العهد" يعبّر عن مكابرة غير مفهومة لحقيقة الأزمة التي يمر بها البلد.

الشارع أيضاً يبدو أنه سيشهد مطلع الأسبوع المقبل أرتالاً من السيارات أمام محطات المحروقات التي قرّرت الإضراب المفتوح اعتباراً من يوم الإثنين.

ومع البنزين، اتجاه أيضاً لإضراب الأفران.

ومع البنزين والطحين، تهديد بإضراب الصرّافين.

كما أنّ مستوردي الأدوية أبلغوا المسؤولين عدم تَمكّنهم من توفير الدولار من المصارف، لتأمين استيراد الأدوية.

كل ذلك، بينما يتفلّت سعر الدولار في الأسواق!

أليس هذا المشهد هو نسخة كاملة وغير منقّحة عن مرحلة ما قبل انتهاء الحرب في لبنان في الثمانينيات والتسعينيات؟!

كل ذلك يطرح سؤالاً مركزياً: من يتلاعب بالعملة الوطنية ويدفع البلد نحو الانهيار؟

يستتبع هذا السؤال سؤالاً آخر: هل ينفّذ مصرف لبنان توصيات البنك الدولي ورغبة بعض أهل السلطة برفع سعر الدولار الأميركي بالنسبة لليرة اللبنانية كأمر واقع؟

لا أحد يملك جواباً، بينما الحكومة تدور داخل حلقة مفرغة في مفاوضاتها مع المستوردين والتجار والمعنيين لحل الإشكالات المتعلقة بالأسعار التي تعترض تنفيذ الآلية التي اتفق عليها مع حاكم مصرف لبنان.

وقد اصطدمت هذه المفاوضات بثلاث عُقد:

ـ إصرار المستوردين على تقاضي ثمن المخزون النفطي بالدولار، مع الأخذ بعين الاعتبار فوارق الأسعار المستجدة، إضافة إلى الكميات المطلوب استيرادها، وهو ما يرفضه حاكم مصرف لبنان.

ـ طلب المستوردين قيمة الدولارات للاستيراد من جديد بالعملة اللبنانية فور وصول المستوردات والمباشرة ببيعها.. في المقابل يُصرّ الحاكم على تسديد المبالغ المترتبة بالعملة اللبنانية، بعد تحويل الدولارات من مصرف لبنان.

ـ مطالبة المستوردين بتحويلات تشمل الكميات المستوردة، حتى يستمر هامش التهريب قائماً.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.