مَــنْ يــحـمــي الـحــريـــري مـِـن "الحـشـــد السيـــاسـي"؟

خضر طالب ـ 

يواجه سعد الحريري وحيداً، أثقالاً هائلة من الضغوط، الداخلية والخارجية، في عملية تشكيل الحكومة.

حتى الآن، نجح الرجل في السير بين حقل الألغام الكثيف الذي يحاصر المساحة اللبنانية الضّيقة لتشكيل الحكومة.

يدرك الحريري أنه محكوم باستخدام ميزان دقيق جداً للوقائع الداخلية، بكل تعقيداتها وظروفها وحساباتها. لكن ذلك لا يكفي، ولهذا فإنه يستعين بعلوم الكيمياء ليتمكّن من المزج بين وقائع الداخل وحسابات الخارج، حتى لا تنفجر المعادلة الكيميائية في مختبره.

لا يملك الحريري الكثير من الخيارات. إما أن ينجح في "امتحان الكيمياء"، أو يغادر المختبر من دون إنتاج تركيبة فاعلة وفعالة ومتفاعلة بين "الداخل" والخارج".

لكن الحريري، ولأنه يدرك أن "المواد الخام" لـ"تركيبته" لم تكتمل عناصرها في المختبر، فإنه يحاول كسب الوقت بهدوء شديد، وتهدئة المنتظرين على باب المختبر الذين يكاد ينفذ صبرهم، بأن "المركّب الكيميائي" على نار المختبر.

مع ذلك، ثمة من يصرّ على أن الحريري عاجز عن اختراع "الترياق" الحكومي، وأنه "غير شاطر" في علم الكيمياء. ولذلك فإن ضجيجهم يربك الحريري، على الرغم من محاولاته صم أذنيه عنه.

لكن المفارقة أن "الحشد السياسي" الذي يضغط على الحريري، لم يستنفر حتى اليوم فريقاً لحماية الرئيس المكلّف من هذا الضجيج الذي قد يصل صداه في لحظة ما إلى الشارع، فلا يعود عندها للإنتظار مساحة، ولا يصبح "مختبر" الحريري صالحاً لإنتاج "الترياق" الحكومي.

هنا تحديداً، يتحمل الحريري جزءاً من المسؤولية في دخوله وحيداً إلى "المختبر"، وبالتالي تحوّل معظم الذي يفترض أن يؤمّنوا له سور حماية إلى حاملي معاول الهدم في انتظار اللحظة المناسبة، وهم يمنّون النفس بـ"رسوب" الحريري في "الكيمياء" ليحلّوا مكانه بـ"ترياق" جاهز و"غب الطلب"!

أكثر المعنيين بحماية الحريري هم الأطراف الذين يطالبون بحصص وزارية ترضيهم. الكلام هنا يعني مباشرة وليد جنبلاط وسمير جعجع. لكن الرجلين لا يستطيعان تأمين الحماية للحريري إلا بالمناورة السياسية، ولذلك فإنهما يؤديان بدورهما بشكل مقبول.

وبحكم الواقع اللبناني والتركيبة والتوازنات، فإن الجهة المعنية بحماية الحريري في موقعه، هي البيئة السياسية السنية، والتي يبدو أن غالبية أعضائها يخفون الخناجر خلف ظهورهم، وهذا ما يدركه الحريري جيداً. لكن الحريري مسؤول أيضاً عن هذا الواقع السنّي، لأنه لم يستطع حتى اليوم القبول باستيعاب فكرة التعددية، بغض النظر عن حجمها وتأثيرها.

في حساب الجردة للواقع السنّي، يتبيّن أن الحريري لم يترك هامشاً حتى داخل بيئته السياسية، أي تيار "المستقبل" و"كتلة المستقبل"، وقبض على مفاصل هذه البيئة بقوة، كردّ فعل على ما حصل خلال سنوات غيابه عن لبنان ثم خلال مرحلة "الاستقالة" الملتبسة من الرياض.

لكن معركة "توحيد البندقية" في تيار "المستقبل" قد لا تكون نتائجها إيجابية على الحريري بالكامل. لأن "التنوع ضمن الوحدة" كان يمنح "التيار الأزرق" هامشاً من المناورة، و"أوركسترا" متناغمة حتى ولو ظهر فيها "نشاز".

انطلاقاً من ذلك، تعطّل دور الرئيس فؤاد السنيورة الذي فتح قنوات تواصل مع خصوم الحريري و"المتمردين" والخارجين على طاعة رئيس "المستقبل"، بينما "يتمشّى" الرئيس تمام سلام تائهاً في المساحة الصغيرة التي تفصله عن "المستقبل"، فهو يقترب إلى حدود الاندماج ثم يبتعد إلى حدود خط الانفصال. أما نهاد المشنوق فهو يعتب يوماً، ويقاتل في الخطوط الأمامية يوماً، وينكفئ يوماً، ثم يعود ليكون درعاً يحمي ظهر الحريري… فلا يقطع الخيوط ولا يوثّق الحبال. وبقي محمد كبارة حليفاً داخل "كتلة المستقبل" ومن خارج تيار "المستقبل"، يقاتل على الخطوط الأمامية لحماية سعد الحريري.

تمرّد أشرف ريفي، وبردت همّة معين المرعبي، ويرصد جمال الجراح "مستقبله" الحكومي، وانكفأ آخرون…

خسر الحريري "الجماعة الإسلامية" كحليف دائم منذ العام 2005، وطبعاً لم يربح "الأحباش". وخسر قبل ذلك خالد ضاهر على الرغم من عودته إلى بيت الوسط.

أما من خارج هذه البيئة، فلم يبق ثابتاً إلى جانب الحريري إلا الوزير السابق محمد الصفدي بعد أن طويا "نكسة" العلاقة في العام 2011 عندما وقف الصفدي لحماية موقع رئاسة الحكومة إلى جانب الرئيس نجيب ميقاتي آنذاك، ثم اكتشف أن ميقاتي لا يثق إلا بنفسه وأنه غير متعاون ويعمل منفرداً، وهذا ما ساهم بعودة الحرارة إلى علاقته مع الحريري الذي أيقن أن الصفدي صادق في تحالفه ولا يطعن في الظهر.

في المقابل، يراقب الحريري أداء نجيب ميقاتي، فهو يدرك أن الرئيس السابق ينتظره "على الكوع"، وأنه جاهز للإنقضاض عليه في اللحظة التي يضعف فيها الحريري أو يعجز فيها عن ابتكار "التركيبة الكيميائية" للحكومة.

لكن الحريري يتفادى أي اصطدام مع فيصل كرامي، على الرغم من محاولات عديدة حصلت للإيقاع بين الرجلين. بل وربما كان الحريري أقرب إلى التفاهم مع كرامي، خصوصاً أنه لم يصدر عنه أي كلام يوحي بأنه يرفض تسمية كرامي وزيراً في حكومته كممثّل عن النواب السنّة من خارج "المستقبل"، في حين أن توزير جهاد الصمد أو عبد الرحيم مراد أو غيرهما، قد لا يستسيغه. بينما فؤاد مخزومي خارج الحسابات، سلباً أو إيجاباً.

من هنا، فإن المروحة السياسية السنّية، لا تبدو متناغمة حتى اليوم، كي تستطيع حماية الحريري وموقع رئاسة الحكومة. ربما لأن الحريري لم يتمكّن من صياغة توليفة بديلة عن التي كانت قائمة، بسبب التجربة السابقة التي يعتبر أنها أدت إلى نشوء "تيارات" داخل تيار "المستقبل". لكن ذلك لا يعفي الرئيس المكلف من ضرورة صياغة علاقة متناغمة تستطيع تحصين موقعه، وتردّ عنه هجمات يبدو أنها ستزداد ضراوتها كلما تأخّر ترياق تشكيل الحكومة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.