"الـدويـكـا" .. بعـد "التـرويـكـا": مَن يحكم لبنان؟

"القابلة القانونية" والانتخابات.. و"النظام اللبناني الجديد"!

خضر طالب

لم يعد البلد يحتمل تعدّد الرؤوس. أزمة مرسوم دورة 1994 ليست أزمة مرتبطة بتوقيع وزير أو عدم توقيعه.

الموضوع لم يعد مسألة "كيمياء" مفقودة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وبين رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

القضية أصبحت تتعلّق ببنية النظام السياسي في لبنان. هي بكل صراحة ووضوح صراع على السلطة وتحت عنوان "مَن يحكم لبنان؟".

قد يكون للصراع أكثر من وجه: هو ربما بين "المارونية السياسية" و"الشيعية السياسية". أو ربما يكون مرتبطاً بتثبيت موقع الشيعة في السلطة. أو قد يحتمل الاجتهاد بانه محاولة الحفاظ على ما تبقّى من الطائف في مقابل محاولة نسفه بالأعراف.

كل هذه الاحتمالات ممكنة، سواء كل منها على حدة أو كلها مجتمعة.. لكن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أن يكون هذا الصراع بين رئيسين يمثّلان موقعين أساسيين في السلطة، ويمثّلان أيضاً طائفتين كبيرتين في البلد.

إنه صراع "الدُّويكا".

في العام 1992، نشأت فكرة "ترويكا" الحكم في لبنان، كبديل عن "المثالثة" في تركيبة قاعدة السلطة. كانت "المثالثة" قائمة "من فوق"، بينما كانت تتعزّز "من تحت" من دون قرار أو اتفاق.

كان التوازن قائماً بين الرؤساء الياس الهراوي ونبيه بري ورفيق الحريري. لكل منهم دوره وحصّته ومساحته في تركيبة السلطة.

استمرت "الترويكا" في حكم البلد. اتفق أركانها واختلفوا، لكنهم حافظوا على توازناتها حتى العام 1998 عندما انتخب آميل لحود رئيساً للجمهورية وأطاح بهذا التوازن، فخرج رفيق الحريري من الحكم.

وفي العام 2000 أُعيد إحياء "الترويكا" بتوازن هشّ، فبقيت تركيبة نظرية لا مفاعيل جدية لها، أو ربما غير مكتملة، بسبب الطبيعة الشخصية المتناقضة بين لحود والحريري. واستمر التجاذب بين الرجلين والموقعين إلى أن خرج الحريري من الحكم مجدداً، وخرجت معادلة "الترويكا" نهائياً.. على أن حصلت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ودخل البلد في المجهول، وترنّح اتفاق الطائف مراراً منذ ذلك التاريخ، وتسبّب ذلك بترنّح "السنّية السياسية" التي كانت قائمة من ضمن تركيبة يشكّل الرئيس رفيق الحريري شخصياً قاعدة أساسية فيها.

لم تصمد "السنّية السياسية" طويلاً بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري. عملياً هي سقطت معه في الانفجار الذي هزّ لبنان بكل مكوّناته ونظامه وتركيبته، لكنها بقيت تلفظ أنفاسها بصعوبة بالغة، ثم دخلت في غيبوبة قبل أن يعلن موتها رسمياً مع أحداث 7 أيار 2008، ويتمّ دفنها في "تفاهم الدوحة".

لم تفلح كل المحاولات، الداخلية والخارجية، لإحياء صيغة جديدة للحكم تقوم على التوازن مجدداً. بقيت المكابرة تتمسّك بالطائف، بينما كانت الوقائع تسلك مساراً مختلفاً.

لم تنجح صيغة "س ـ س" في حماية آخر معالم اتفاق الطائف، كما لم يستطع حماية "تفاهم الدوحة".. إلى أن سقط تفاهم "س ـ س" أيضاً وصار البلد يعيش نزاعاً عميقاً حول الصيغة البديلة. صحيح أن الرئيس نجيب ميقاتي استغل الحاجة إليه في مرحلة معينة خلال رئاسته الحكومة فنجح في إبقاء "الطائف" قاعدة للحكم، لكن القاعدة سقطت لاحقاً، وبقي الطائف عليلاً يعيش بصعوبة.. إلى أن حصلت "الصفقة" بين "تيار المستقبل" و"التيار الوطني الحر"، والتي حملت العماد عون إلى رئاسة الجمهورية وسعد الحريري إلى رئاسة الحكومة. وكانت تلك "الصفقة" التي جرت بمعزل عن الشريك الثالث، كافية لحفيظة الرئيس نبيه بري الذي استشف منها إحياء لثنائية مارونية ـ سنية تعود على ما قبل الطائف و"تستقوي" على الشيعة.

على الأرجح أن الرئيسين عون والحريري لم يفكّرا بهذه الطريقة، لكنهما لم يبادرا إلى تطمين الرئيس بري الذي وجد نفسه كأنه "الزوج المخدوع". وفي حين كان الرئيس بري يدرك أن الحريري غير معني بأي "خطة" ضده وأن عتبه عليه هو بسبب "عدم التنسيق"، فإن رئيس المجلس كان مستفَزّاً بما يكفي من "حليف الحليف"، ويعتقد جازماً أن نوايا الرئيس ميشال عون "ليست صافية" تجاهه. في الأساس لم تتفاعل الكيمياء بين الرجلين.

منذ ذلك الحين، صار كل ما يفعله أحد الطرفين "مريب" بالنسبة للطرف الآخر. تصاعد الصراع بين الرجلين وتمدّد إلى الموقعين ثم إلى قيادات الجهتين ومن بعد ذلك إلى قواعد الطرفين.

اختلف الرجلان على القوانين والمشاريع والكهرباء والنفط والغاز والتعيينات…

واتفق الرجلان على قوانين ومشاريع وكهرباء ونفط وغاز وتعيينات وتلزيمات…

علاقة معقّدة بين الاختلاف والاتفاق.

ينام اللبنانيون على اختلاف بين بعبدا وعين التينة، ويستيقظون على اتفاق بين رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي.

تنعقد الحكومة على اختلاف بين وزراء الجهتين، وتنتهي الجلسة على تفاهم هبط على وزرائهما.

أما اللبنانيون، فإنهم دخلوا في مراهنات حول مآل العلاقة و"بورصة" التفاهم والاختلاف.

من ينظّم العلاقة بين "الحليفين الافتراضيين"؟

حتى اليوم ما يزال "حزب الله" يتفرّج على الصراع الدائر بين "ركنيه".. لم يظهر إلى العلن أنه يقوم باي دور توفيقي، كما لم يظهر أي أثر لأي دور في عملية فكّ الاشتباك المحتدم على الصلاحيات بين المرجعين الرئاسيين بما يمثّلانه على مستوى تركيبة البلد الطائفية.

أين رئاسة الحكومة من هذا الاشتباك؟

الواضح أن الرئيس سعد الحريري محرج جداً في كيفية التعامل مع هذا الواقع الذي يفرض نفسه عليه. دخوله في المواجهة إلى جانب أي من الطرفين سيعني بالتالي تحوله إلى متراس سياسي، وانكفاؤه عن الصراع يحوّله إلى مجرّد شاهد في تركيبة نظام تتمخّض لتولّد صيغة ما تزال مجهولة.

يعتمد الحريري في هذا الصراع على الهروب من الصورة، ويحمل مظلّة تحميه من "نيازك" الاصطدام الحاد. لكنه بذلك يُقصي موقعه عن الشراكة في الحكم، ويترك الساحة لمن يحمل فيها درعه وترسهن بينما يكتفي بالجلوس على المدرّجات.

إلى ماذا سيؤدي الصراع؟ ما هي النتائج؟ ومن يتحمّل التداعيات؟

يبدو أن الجميع يراهن على نتيجة من اثنتين:

إما استثمار هذا الصراع في الانتخابات النيابية، وبعدها يصبح لكل حادث حديث.

وإما الإطاحة بالانتخابات النيابية، فيتفادى الجميع تجرّع كأسها.

في المحصلة، البلد يعيش مخاض نظام جديد. معالمه ضبابية، لكن مؤشراته "المنطقية" تبدو أكثر وضوحاً.

ينتقل لبنان من حكم "أونو" إلى "ترويكا".. بينما يستولد صراع "الدّويكا" الحالي حكماً مجهول الهوية والعنوان.

ربما تكون الانتخابات، إن حصلت، هي "القابلة القانونية" لولادة "النظام اللبناني الجديد"!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.