هل عادت السعودية إلى لبنان؟

* خضر طالب *

هل تؤشّر الحلحلة الديبلوماسية بين لبنان والسعودية، إلى حلحلة سياسية؟

ثمة من يعتبر أن تقديم السفير السعودي الجديد أوراق اعتماده رسمياً، بعد أن قبلت السعودية تعيين السفير اللبناني في الرياض فوزي كبارة، يعني أن مساراً مختلفاً للعلاقة بين لبنان والمملكة قد فتح، بعد أشهر من الارتباك الذي أصاب العلاقة بين البلدين، وبعد ثلاث سنوات على انتهاء مهام السفير السابق علي عواض عسيري.

السفير السعودي الجديد وليد اليعقوب يشكّل، مبدئياً، أحد أركان فريق وزير الدولة السعودية لشؤون الخليج ثامر السبهان الذي يبدو أنه انكفأ عن متابعة الشأن اللبناني بشكل مباشر. لكن ذلك لا يعني أن السفير الجديد سيمارس نفس الدور والمهمة التي كان يمارسها السبهان، فالسفير يعبّر عن سياسة الدولة السعودية، وهو ما كان يفعله السبهان أيضاً.

هل عادت السعودية إلى لبنان؟

يبدو السؤال بديهياً، لكن هذه العودة ما تزال غير مكتملة الأوصاف والمؤشرات والمعايير والأهداف.

في الأساس، لم تخرج السعودية من لبنان لكي تعود إليه. كانت المملكة مشغولة بملفات متعدّدة، فأدارت ظهرها للبنان، خصوصاً في ظل حدة الاشتباك السياسي بينها وبين إيران.

العودة الديبلوماسية السعودية إلى لبنان تأتي قبل أربعة أشهر فقط على موعد الانتخابات النيابية في لبنان، وفي ظل ضباب كثيف يغطّي طبيعة العلاقة بين السعودية والرئيس سعد الحريري بصفته الشخصية.

هذا الأمر يطرح أكثر من علامة استفهام حول ما ستكون عليه العلاقة مستقبلاً بين الرئيس الحريري وبين المملكة التي كانت تشكّل سقف الرعاية السياسية للحريري ولـ "تيار المستقبل".

هل أعادت المملكة رعايتها للحريري؟ وهل استعاد الحريري نفسه سقف الرعاية؟ وهل سيكون "تيار المستقبل" هو التيار المعبّر عن التوجّهات السعودية؟ أم أن هناك مساراً مختلفاً لطبيعة الدور والمهمة والعلاقة التي ستكون بين "تيار المستقبل" وبين المملكة العربية السعودية؟

وبمعنى أوضح، هل تستطيع السعودية المغامرة بخسارة الرئيس سعد الحريري، ومن خلفه "تيار المستقبل" الذي "انضبط" خلف رئيسه بقرار من الحريري نفسه؟

الأرجح أن السعودية لا تستطيع خوض مغامرة من هذا النوع وبهذا الحجم، في ظل مؤشرات لا توحي بالاطمئنان من جهتها لأي بديل سياسي للحريري في الشارع السنّي. صحيح أن "تيار المستقبل" ليس هو نفسه كما كان قبل 10 سنوات، لكن الصحيح ايضاً أنه ما زال التيار الأقوى والأكثر امتداداً وحضوراً في الشارع السنّي، بغض النظر عن نسبة هذا الحضور طالما أن منافسيه وخصومه غير موحّدين تحت سقف واحد، وأن بعض هؤلاء المنافسين والخصوم لا يدورون بأي شكل من الأشكال في الفلك السعودي.

فالواقع السنّي خارج دائرة "تيار المستقبل" منقسم بين مجموعات عديدة لا تملك الرياض "مونة" على القسم الأكبر منها، ولا تثق بقسم آخر، وتدرك أن من يدور في فلكها لا يستطيع في الوقت الراهن منافسة الحريري فعلياً.

وفي جردة حساب سريعة، يتبيّن للمملكة أن توازن القوى في الشارع السني منقسم إلى الأجنحة التالية:

الرئيس نجيب ميقاتي في طرابلس، وهي لم تتمكّن حتى اليوم من بناء علاقة ثابتة معه.

الوزير السابق محمد الصفدي في طرابلس، وهو متحالف مع الرئيس سعد الحريري.

الوزير محمد كبارة وهو حليف ثابت إلى جانب الحريري.

الوزير السابق أشرف ريفي، وهي تثق به لكنها غير واثقة من قدرته على بناء حالة واسعة الانتشار حتى اليوم.

الوزير السابق فيصل كرامي في موقع لا يتوافق مع السعودية، بالرغم من الاحترام الخاص له.

الوزير السابق عبد الرحيم مراد في البقاع الغربي تنظر إليه السعودية باعتباره في موقع سياسي مختلف، ولو كانت استقبلته في وقت سابق.

"الجماعة الإسلامية" في كل لبنان، لكن السعودية وضعتها في خانة الخصوم باعتبارها من التنظيمات "الإخوانية".

سنّة "8 آذار" وهم جميعاً لا يرتبطون بأي علاقة مع الرياض.

تبعاً لذلك، لا تستطيع السعودية المراهنة على تغيير في الشارع السني، قبل أن يفرز هذا الشارع نفسه حالة مختلفة عن "تيار المستقبل"، وربما من رحم "المستقبل" نفسه على غرار الوزير السابق أشرف ريفي، لكي تتمكّن من المغامرة بعلاقة مع غير الرئيس سعد الحريري.

حتى اليوم، ومن حيث المنطق والواقع، فإن الرئيس الحريري ما زال الأقوى في الواقع السنّي، ولذلك فإن السعودية مضطرّة للتعامل معه على هذا الأساس، إلا إذا قررت المملكة إدارة الظهر بالكامل للساحة اللبنانية، وهو أمر يبدو مستبعداً جداً.

على هذا الأساس، يبدو أن تسلّم السفير السعودي مهامه في بيروت تؤشّر إلى دور مرتقب يفترض أن يتولاّه، وعلى الأرجح ستكون الانتخابات النيابية الملف الأبرز الذي سيتعامل معه السفير اليعقوب، في انتظار أن يحسم المسؤولون السعوديون قرارهم بشأن كيفية التعامل مع هذا الاستحقاق، على اعتبار أن استمرار الانكفاء السعودي سيؤدي إلى خسارة سياسية كبيرة للفريق السياسي الحليف لها، وبالتالي ستخسر السعودية ورقة لبنان، وهذا ما تحاول المملكة تفاديه على اعتبار أن لبنان يشكّل تاريخياً موقعاً متقدّماً للحضور السعودي، ويؤمّن لها قدرة على التأثير في الملفات الإقليمية الأخرى.

كيف ستتعامل السعودية مع الانتخابات النيابية؟

ثمة من يقول إن المملكة تحاول جاهدة إبعاد كأس الانتخابات النيابية في لبنان، استناداً إلى القانون الجديد الذي سيؤدي حكماً إلى خسارة الفريق الحليف لها الأكثرية النيابية.

وثمة من يعتقد أن فرصة تعديل قانون الانتخابات قد تكون في عنق الزجاجة، وإذا لم تنجح السعودية في الدفع في اتجاه تعديل القانون، فإنها ستجد نفسها مضطرة لوضع استراتيجية جديدة لخوض الانتخابات ودعم حلفائها بشكل مباشر، بحيث تتعامل مع أكثر من فريق حليف من دون المرور بقناة الرئيس الحريري، على خلاف ما كان يجري سابقاً عندما كان الحريري هو القناة الوحيدة للعلاقة مع السعودية.

وفي هذا الإطار، يمكن تفسير الحلحلة الديبلوماسية باعتبارها خطوة أولى نحو الإدارة السعودية المباشرة للفريق الحليف في الانتخابات المقبلة، وربما من خلال صياغة تحالفات ولوائح في العديد من المناطق.

وثمة من يقول إن السفير الجديد يعرف أدق التفاصيل اللبنانية، باعتباره من الديبلوماسيين الذين عملوا سابقاً في لبنان. ولذلك، فهو يستطيع فهم وإدارة الملف اللبناني، وأن الرئيس الحريري قد يكون محكوماً ـ بصفته رئيس "تيار المستقبل" ـ بالمرور عبر قناة السفير اليعقوبي، وهو أمر كان تردّد في مرحلة سابقة بعد عودة الحريري إلى بيروت.

في مطلق الأحوال، ستكون السفارة السعودية في المرحلة المقبلة اشبه بخلية نحل للمستطلعين والمفتّشين عن فهم الرسائل السعودية الجديدة.. ولكن بالتأكيد لن يتمكّن أي من الزوّار فك الشيفرة السعودية التي ستبقى، في المرحلة الراهنة، مكتوبة بحبر سرّي لا يقرأه إلا "المكشوف عنهم" السرّ السعودي الجديد، وبعض هؤلاء هم من أقرب المقرّبين إلى الحريري.. إلا إذا…

"إذا" هذه، مرتبطة بمآل العلاقة التي يفترض أن تتبلور في وقت قريب جداً بين السعودية وبين الرئيس سعد الحريري.. وعلى الأرجح، فإن هذه العلاقة ستستعيد بعضاً من حيويتها، ولو بالاضطرار وليس بالرغبة، فالانتخابات على الأبواب والوقت الفاصل لا يسمح بترف البحث عن صيغ قد تتسبّب بخسائر كثيرة سيكون على السعودية دفع فواتيرها في لبنان.. وربما في أماكن أخرى.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.